المشاركات

عرض المشاركات من فبراير, 2024

قصّة: عاشقة

صورة
قصّة: عاشقة   ككلّ يوم قبل أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود يؤمّ الرّجل المقهى فهو الزّائر الأوّل قبل الجميع. بعد أن يتّخذ مكانه بقليل يبدأ الحرفاء في التّوافد ويشرع العامل في تلبيّة الطّلبات. سحابة من دخان كثيف سرعان ما تغمر الفضاء فوق الرّؤوس وآيات من القرآن تتلى لفترة قصيرة تعقبها موسيقى وغناء ثمّ تندثر الموسيقى ويندثر الغناء وتفتح قنوات الأخبار. يدفن الرّجل وجهه في صفحات كتاب سرعان ما يطويه بعد فترة قصيرة لينهمك في الكتابة. الرّجل مفتون بالكتابة. الرّجل لا تزعجه سحابة الدّخان الملتّفة حوله ولا أصوات الحرفاء وحمّى التّعليقات السّياسيّة، يحيط بنفسه سياجا من اللاّمبالاة بما يدور حوله إذ تمتزج حواسّه كلّيا بالصّور الّتي يحاول أن يجسّمها في نصوص مرسومة بقلم الحبر. الكتابة لديه حركة تشترك فيها كلّ الحواسّ فهو لا يرى الرّؤوس المنحنية والوجوه العابسة والأصابع العابثة بأزرار الهواتف الخلويّة ولا يسمع ما يخوض فيه الحرفاء ولا يرى النّادل وهو يتنقّل بين الطّاولات. دخلت إلى المقهى واتّجهت مباشرة حيث يجلس الرّجل. امرأة شابّة جذّابة معتدلة القامة سمراء، أنف دقيق وعينان ساح...

عجبي، القدسيّة في ملامح المرأة ولا شيء غير القدسيّة

صورة
القدسيّة في ملامح المرأة ولا شيء غير القدسيّة كتبت سيّدة كريمة قائلة بما معناه أنّها وجدت في مقال لي تمجيدا لشأن المرأة، بينما وجدت تشهيرا بها في روايتي "ملفّات مليحة" والحقيقة ليست على هذا الرأي، فمنذ أن بدأت الكتابة السرديّة والأعمال الدراميّة رسمت صورة مشرقة للمرأة في مختلف أدوارها ومستوياتها الاجتماعيّة، فلا يعني أن تكون المرأة في المشهد القصصيّ تقضي معظم وقتها على قارعة الطريق، أو أن تكون منحرفة، أو أن تأتي أعمالا خاطئة فإنّ ذلك كلّه نتيجة القهر والظلم ونزوات الرّجل وشهواته وفساد سيرته والمركبات الأخلاقيّة الّتي يولّدها لديه الثراء الفاحش أو النّفوذ الإداريّ أو الطبع المنحطّ. المرأة عندي في أيّ وضع كانت، في المشهد الدرامي أو في اللّوحة السرديّة، فاعلة بما أوتيت، ولها مواقف تتجاوز مواقف الرّجل شجاعة وصلابة. في روايتي "مقهى الفنّ" تصيح المرأة في وجه الرجل الّذي طلب منها الزواج وقد التجأت إليه بسبب ظروف قاهرة: «قد أعطيك جسدي تفعل به ما تريد، قد أقضي معك ما تشاء من الوقت لكنّني لن أتزوّجك، أبدا لن أتزوّجك.» حين يتساءل الرّجل مستغربا هذا الموقف تجيبه المرأة:...

قصّة: يوم غائم

صورة
يوم غائم   كان الفصل ربيعا واليوم غائما . رأيتها، عند تباشير الصّباح، واقفة على جادة الطّريق الّتي تصل أحياء المدينة ببعضها، مرتدية معطفا يميل إلى السّواد وتحته سروال دجين أزرق تلتقي أطرافه بنعل في لون المعطف، وعلى الرأس وضعت فولارة تزيّنها زركشة خفيفة هادئة . كأنّها هي.. قد تكون هي . أيخونني النّظر! قد لا تكون هي وإنّما بعض منها، بعض من طيفها، بعض من وقفتها عندما تتوّقف لتسوّي طرف الفولارة أو ياقة المعطف، أو لتفتح حقيبة يدها لتخرج هاتفها الخلويّ . على جادة الطّريق عاملات تنظيف يتسلّيْن بالحديث ويسقن النّفايات من مكان إلى آخر . اقتربت منها حتّى لم يعد بيني وبينها غير خطوات، حرّكت رموشها قليلا دون أن ترفع رأسها، تورّدت وجنتاها ثمّ أسدلت رموشها وبحركة عفويّة أمسكت بطرف الفولارة وشرعت تتكلّم في الهاتف الخلويّ . على شجرة السّرول الّتي تطاولت على السّور وتعالت حيث تقف الفتاة قرفصت حمامة لا تكفّ عن الهديل . إنّها تكاد تكون هي بتفاصيل ملامحها بتناسق لباسها، ببشرتها السّمراء الرّمانيّة، بطيفها الخفيف كأنّها قبس ضياء في ليل يلتفّ على المدينة . غادرت المكان فتبعتها . أظنّها...

من قصّة: "مقهى بابا عزيزي" من مجموعة: بلابل المدينة العتيقة

صورة
بلابل المدينة العتيقة/ 2021 مقهى بابا عزيزي (1) يخطو الخطوة تتبعها الأخرى بثقل متناه وهو ممسك بنفس المكنسة التي لفّ حول أسفلها خرقة قماش مبلّلة بالماء وبمطهّر الحشرات.. نفس المكنسة ونفس اليد المتهدّلة ونفس الأصابع الخشنة ونفس اللّباس الأزرق الباهت، سترة مفتوحة على الصّدر الأشيب وسروال لا يتجاوز الكعبين، ونفس النّظرة المنطفئة والشّفتين المرتعشتين والجبين المقطّب، نفس الشّعرات الموزّعة على جوانب الرّأس ونفس انحناءة الظّهر وهو يدفع بالمكنسة أمامه، يحكّ بها على أرضيّة المقهى.. يسند المكنسة على الحائط وقد استنزف قواه ثمّ يتّجه إلى الآلة الحاسبة يقبض ثمن القهوة من الحريف ويصرف له البقيّة. إنّه بابا عزيزي مالك القهوة ذات الفضاء الواسع في الدّاخل والفضاء الواسع في الخارج وذات الحرفاء الكثيرين الذين يتوافدون منذ الخامسة صباحا أفرادا وفي مجموعات صغيرة نساء ورجالا. منذ يومين رفّع في ثمن القهوة ممّا اثار تعليقات كثيرة بين الزّبائن دون أن يقرّر أحد منهم مقاطعة المقهى، وفي نفس الوقت تخلّى عن المنظّفة التي ظلّت لأعوام طويلة تقبل على المقهى قبل الخامسة صباحا تنظّف كلّ الأرجاء في الدّاخل والخارج. ...

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور

صورة
رواية حديقة لكسمبور قبل أن تغرق باريس في الضّباب والغيوم والمطر غادرت مقهى سوفلو القريبة من السّوربون ووضعت قدمي على عتبة حديقة ليكسمبور منها يتضوّع السّحر والفتنة كما يتضوّع البخور من المجمرة. تمشّيت بهدوء الشّعراء، وتوقّفت هنا وهناك وقفة الرّسامين، وتنقّلت خطوة بعد أخرى بهدوء العاشقين.. أتراني لا أستطيع أن أكون كذلك، عاشقا، وأنا أتخيّل مفاتن الجنّة، خضرتها وماءها وهواءها وملائكتها.. أتخيّلها فأجد نفسي أسير في معابرها وأجلس على مقاعدها وأسرح النّظر في حورياتها الغاديات الرائحات. سماء يزيّنها وشاح متقطّع من غيوم وأرضيّة تصطفّ عليها الأشجار العالية وتغطّي أطرافها الأعشاب الّتي لا تزول خضرتها.. أمّا الأشجار فقد أخذ بعضها يتعرّى.. أوراق تتساقط، يابسة شاحبة تتلهّى بها ريح تهبّ قليلا وتسكن قليلا.. كم تبدو ساحرة هذه الأوراق تتدحرج على جنبات المعابر مسافة من زمن، وتتوقّف مسافة حسب مشيئة الرّيح. كلّ ما في الحديقة يدعو إلى التّأمل.. كيف لا أتذكّر الشّاعر لامارتين وهو يتأمّل بحيرته الشّهيرة.. يلفظ همومه في فضائها ويغرق أحزانه في مائها.. كانت الحبيبة هنا إلى جانبه، معا يناجيان عظمة الطّبيعة...

مقطع من رواية: "من قتل شكري بلعيد"

صورة
رواية من قتل شكري بلعيد/ مارس 2020   الواحدة صباحا تفرّق المشاغبون وخمدت نيران العجلات المطّاطيّة وخفّت سحب الدّخان.. أيّ لحظة أسمى من هذه التي تحياها زهراء بين إغفاءة شبيهة بالطيران عبر غيمة بيضاء خفيفة فوق ساحل هادئة مياه بحاره وساكنة الرّياح من فوقه! أيّ لحظة أروع من هذه وسليمان يحدّق في خصلات شعرها، وفي الصّدار الّذي يحتضن صدرها، وفي العقد الذهبيّ الّذي يحيط برقبتها، وفي السّوار وفي اليد التي حطّت على ركبته! أليس الكون كلّه زهراء! أليس الزّمن هو زهراء! الحبّ المنشود والمفقود، الحاضر والسّاكن في دروب الأيّام القادمة هو زهراء. لاحت تباشير الفجر. لاحت التباشير فيا روعة الصّباح القادم ويا روعة الزّمن الذي مضى. ***** لاحت تباشير الفجر فما الذي سيحدث؟ هيثم ممدّد على السّرير تعبث أصابعه بشعرات لحيته، يستحضر طيف فاطمة، يبعدها متقزّزا حينا ويقرّبها متلذّذا حينا آخر وهي على كلّ حال لا تخلو من جمال وجاذبيّة، وأنّه وهو يتجنّب النّظر إليها كلّما التقى بها ينبض قلبه بقوّة.. بعض الغموض يشدّه إلى حجابها وإلى عينيها الجريئتين، عيناها ترسلان بسحر دونه سحر هاروت وماروت وهو لا يريدها لكن...

في حضرة نادي القصّة: 2- الخطوة الثانية

صورة
في أربعينيّة محمّد المختار جنّات بنادي القصّة/ أفريل 2021 استدعيت مؤخّرا لألقي مداخلة حول الكاتب المتميّز محمّد المختار بن جنّات بمناسبة أربعينيّته.. لم يكن الوصول إلى نادي القصّة بالورديّة سهلا، لقد تغيّرت طوبوغرافية الأحياء، تكثّفت البناءات وتداخلت، ظللت أوقف السيّارة بين حين وآخر لأسأل المارّة عن شارع "بلفي" إلى أن وصلت بعناية الله أخيرا.. ما أروع أن أخطو داخل نادي أبو القاسم الشابّي حيث مقرّ نادي القصّة فأجد أمامي الدكتور أحمد ممّو، إنّه كما هو لم يتغيّر أبدا كما عرفته في ملتقيات هوّاة الأدب، وجلسات نادي القصّة ومقاهي الحيّ اللاتينيّ بباريس. إنّه المثقّف المسؤول دائما، صاحب الواجب والوفيّ الّذي لا ينسى الأصدقاء ورفاق الدّرب.. إنّه أحمد ممّو الأكثر وفاء من الجميع دون استثناء لنادي القصّة ماضيه وحاضره.. إنّه الوحيد الذي ظلّ يحضر جلسات النادي دون انقطاع ككاتب وباحث في شؤون الأدب، ثمّ كرئيس للنادي، ثمّ كعضو في هيئة المجلّة بعد أن تسلّم الأستاذ سمير بنعلي رئاستها مؤخّرا. وقفنا معا عند باب قاعة الجلسات الأسبوعيّة فأحسست برهبة وحنين إلى الماضي، تذكّرت رجالا مرّوا بالنادي الث...

في حضرة نادي القصّة: 1- الخطوة الأولى

صورة
  في أربعينيّة محمد المختار بن جنّات بنادي القصة كان ذلك ذات مساء أواسط السّتّينيّات، حين وضعت قدمي على عتبة نادي القصّة خاشعا متهيّبا فقد أحسست أنّني فتحت بابا كنت أراه موصدا بإحكام، بل فتحت قلعة حصينة لا يحلم بفتحها إلاّ الأبطال. ما إن دخلت قاعة الاجتماعات وكان الفصل خريفا، حتّى غمرني خوف ارتعش له جسدي.. إنّ هيبة الجالسين ووقارهم ورائحة الأدب وطعمه وألوانه المختلفة، كلّ ذلك أدركني وأنا واقف أبحث عن مكان، ولمّا جلست رأيت نفسي صغيرا جدّا، متضائلا جدّا بين الحاضرين. ابتسامة لا تتعدّى حركة الشّفتين، حركة واحدة لا حركتان ارتاحت لها نفسي وسكنت خفقات القلب.. إنّه الأستاذ العروسي المطوي ذلك الجبل العالي الّذي أسمع عنه وأقرأ له، ذلك الّذي يلوذ به أغلب مريدي الإبداعات السّردية، هو الّذي يتوسّط الجلسة ويترأس الحاضرين.. على المقاعد المصفّفة ثلّة من الكبار الّذين ملأوا السّاحة الأدبيّة إبداعا. نقّلت نظري هنا وهناك.. هذا مصطفى الفارسيّ صاحب الأسلوب السّاحر في المداخلات والنّقاش، إنّه علم من أعلام القصّة والرّواية والمسرح، إنّه الشّاعر الّذي اختار رسم كلماته باللّغة الفرنسيّة، وإنّه المتحفّز دا...

غزوات بني عمّي (9) (بئر الحفي واقع لا ينسى)

صورة
روضة الشهداء ببئر الحفي في اليوم الموالي استقبل في مكتبه الجماعة وتلاهم عمدة القرية الّذي شقّ عصا الطّاعة وآزر الذّئب المنفرد مدافعا عن حرمة الشّهداء. - أمرتك ألاّ تصافح ذلك الذّئب؟ - هو ابن عمّي والدّم الّذي يجري في عروقه هو دمي، قضيّتنا مشتركة وإيماننا بالله والوطن والمقدّسات لا يعلو عليه متعال. - سوف أعزلك من منصب العموديّة، سوف أنسفك نسفا، سوف أجعل منك عبرة للآخرين. - تستطيع أن تفعل ذلك فأنت ممثّل الدّولة في هذه الجهة والحارس المؤتمن عليها لكنّ روحي أنا من روحي أولئك الرّاقدين تحت التّراب، هم تحت الأرض وأنا فوقها.. لن أحيد عن المبدأ حتى لو اضطررت إلى تسوّل قوت يومي أو التمعّش من التراب. تجمّع عدد من الصّبيان في عمر الزّهور أمام الرّوضة وهتفوا: «العزّة لتونس والمجد للشهداء.» بعد وقت قصير كبرت حلقة المحتجّين.. رنّ الهاتف في مكتب المعتمد الذي تفاجأ بالحدث الغريب.. اتّصل بالوالي مستحضرا شكل تلك الرّأس الصّلعاء الّتي تسقط على الكتفين كأنّها صخرة من صوّان فلا رقبة ولا عنق ولا حلقوم.. استحضر الرّأس وهي تنتفض كأنّما تتلقّى ضربات حادّة بمطرقة حديديّة. - ادع أكبرهم سنّا حالاّ، ...

غزوات بني عمّي (8) (بئر الحفي واقع لا ينسى)

صورة
بئر الحفي   «اتركوا الحفرة كما هي حتّى تقول اللّجنة كلمتها الفصل ولكلّ حادث حديث.» هدأت العاصفة.. الزّمن كفيل بطيّ الأحداث ومداواة الجراح فماذا يعني روضة الشّهداء في نفوس النّاس والنّفوس كلّها ضعيفة، أمّا هذا المارق فينتظره حساب عسير.. ما الّذي سيحدث لو غرز أحد سكّينا بين كتفيه عندما يضع قدمه على الأرض مترجّلا من سيّارته أو يضع قدمه راكبا السيّارة مغادرا.. أعتى الفدائيّين سقطوا في الحبائل مضرّجين في دمائهم وذهبت الدّماء هدرا فما بالك بمحارب يخوض المعركة وحيدا بلا عدّة ولا عتاد. ضحكوا.. تشهد بذلك أركان مطعم "بابا البي" وطاولاته وجفنات مرقه. تلا المقال الصّحفيّ آخر، وتتالت التقارير إلى وزارة الدّاخليّة.. الوالي ينتفض، يحيط برقبته طوق الهدايا والإكراميّات، وتحاصره تساؤلات وزارة الإشراف. لابدّ ممّا ليس منه بدّ. في الكتابات حقائق وفي التقارير اتّهامات بالخيانة والغرق في الفساد. «أنا الوالي أعرف نفسي جيّدا نقود ترنّ في الجيب وزرابيّ مبثوثة وأخرى مطويّة، وهبات مختلفة.. ما باليد حيلة.. مواجهة هذا الذّئب المنفرد أهون من التراجع إلى الوراء.. الذّئب المنفرد أمامي وأصحاب الإك...

غزوات بني عمّي (7) (بئر الحفي واقع لا ينسى)

صورة
روضة الشّهداء ببئر الحفي/ سنة 2012   أرجوكم أحصوا خطواتي، راقبوها جيّدا، كم هي ثقيلة، كم هي متردّدة، كم هي مشدودة إلى الأرض، أودّ أن أتسمّر في المكان وأتطلّع إلى الرّوضة المقامة جدرانها على أطراف كبدي. ارتجفت، انتفضت، عصفورا يضرب بجناحيه ليزيل عنه قطرات الماء الباردة وينفش ريشه ليتلقّى ضحكة الشّمس.. ما أجملك أيّتها الشمس المتسلطنة على مباني القرية، تمسح بأشعّتها على مقام الرّوضة وقد وسّع فضاؤها وعلت جدرانها ودهنت فابيضّت وأصبح بينها وبين المسجد الجامع حائط مشترك، وفي الأعلى رفرف العلم المفدّى. خفق قلبي.. إحساس بالانشراح ملأ أعطافي فاليوم حقّقت أحد أحلامي. كم أنت رائع يا محمّد مزالي وقامة تطاول أعالي القمم. من هنا يبدأ الوجه الآخر للحكاية. أربعة وخامسهم منهم جلسوا في ركن ركين يتهامسون، يمتصّون أثر الصّدمة ويتواصون بالصبر حتّى يحين الحين والأيّام لا تبقي على حال. كما تسقط عروش وتقام عروش، كما يزاح ملوك من كراسيهم ويجلس مكانهم آخرون.   غادر رئيس الوزراء ساحة القصبة وحلّ محلّه آخر. انفرجت ملامح عابسة ومن طوايا العمائم والجبائب أخرجت السّكاكين وشحذت.. لقد أزفت ساعة ...

غزوات بني عمّي (6)

صورة
مشهد طبيعي من بئر الحفي مشهد طبيعي من بئر الحفي   جلست أمامه كالطّفل الصّغير الّذي يتطلّع إلى قطعة حلوى.. إنّني أعرفه جيّدا وهو كذلك لكنّني لم ألتق به يوما على انفراد. وأدركت سبب اللّقاء فقد نشرت دراسة تحليليّة حول كتاب صدر له باللّغة الفرنسيّة ذي منحى فكريّ وفلسفيّ. بكلّ أريحيّة وتواضع شكر وأثنى، تحدّثنا عن الأدب وحرّية الإبداع وضرورة الحفر في الأشكال والمضامين والخروج من دائرة التحنّط لأنّه المعول الّذي يشوّه مسيرة المبدع. وهو يصافحني مودّعا سألني إذا ما كانت لي حاجة يساعدني على قضائها.. تردّدت.. إنّني أحتاج إلى ترقية إداريّة وهو بمجرّد إشارة هاتفيّة سيجعلني أظفر بها. كدت ألهج بالطّلب لكنّ روضة الشّهداء بجدرانها الواطئة وفضائها الضيّق طفت على الخاطر. «روضة الشّهداء في قريتي ولا شيء غيرها فهي رمز التّاريخ والتاج الّذي نضعه على الرّؤوس.» تلقّى طلبي بابتسامة لا تخلو من إعجاب. «كم كنت رائعا يا محمّد مزالي وقامة تطاول أعالي القمم.» مرّ شهر، الأحزان تتكدّس، السّاعات الّتي تمضي رياح قارسة تثلج صدري وتشلّ حركة أفكاري، أنا مهموم، أكثر من ذلك أنا مهزوم وليس أتعس من رجل يسير...

غزوات بني عمّي (5)

صورة
روضة الشّهداء ببئر الحفي/ سنة 2012   جمعهم في ركن ركين مطعم "بابا البي".. أكلوا وتجشّؤوا واتّفقوا على أنّ من حقّ القرية أن يكون فضاء المسجد الجامع أوسع ممّا هو عليه، والحلّ الأنسب أن تحوّل دورة مياهه داخل حرم الرّوضة.. أليس من حقّ المارّة والمتسوّقين قضاء حاجتهم البشريّة فلا يتبوّلون ولا يتغوّطون على الأرصفة. قال قائل منهم.. أرى رأيا وسطا، نبقي على دورة المياه داخل المسجد الجامع ونصرف مياه الصّرف في بئر ضياع داخل الرّوضة. كانوا أربعة وخامسهم منهم. هم الأعيان ونصف الأعيان والزّبانيّة. هم الّذين يرفعون أيديهم إلى السّماء يطلبون الغيث النّافع، وهم الّذين يلتفّون في برانيسهم وجبائبهم وسروايلهم الطّويلة ويبتسمون في وجوه الأطفال أمام المدارس - كم أنت غريب يا زمن- هم الوجوه تشرق عليها شمس القرية ويسطع عليها ضوء القمر. وجوه عندما تطوف أمام الدّكاكين ترى فيها ملامح "صبايحيّة" إدارة الاستعمار. كانوا أربعة وخامسهم منهم. للحكاية وجه آخر كما للقمر، كما لقطعة النّقود، كما لملامح المرأة المومس. بعض الخطوات في سفر الأيّام الّتي سبقت الجريمة. سنوات وأنا أمتصّ الألم...

غزوات بني عمّي (4)

صورة
روضة الشهداء ببئر الحفي/ سنة 2012   طرقت باب مكتب معتمد القرية، رآني فتفاجأ مرحّبا.. رأى على ملامحي فزعا فارتسمت على ملامحه حمرة خفيفة وابتسامة مفتعلة، هو يعرف أنّني وجه من وجوه الأدب والصّحافة وأعمل في مؤسّسة جهويّة. حمدا لله أنّني مستقلّ عن الإدارة الوطنيّة.. ذلك قدري وذلك قدرهم. أحنى رأسه مفكّرا. - مع الأسف الشّديد إذا كان قد حدث هذا فعلا فإنّه مشين للقرية وتاريخها ونضالها وكبيرها وصغيرها، أطمئنك أنّني لم أعلم به ولم يعلمني به أحد والبلديّة هي المسؤولة عن ذلك ولسوف ترى ما أنا فاعل. وقفت أمام دكّان موادّ غذائيّة على ملك أحد القرويّين أحبّه وأعتزّ به وأرى في ملامحه بعض تفاصيل محمد الأخضر.. ولكم حدّثني عنه بإعجاب إلى درجة التقديس. انحنيت على الكنتوار أغرز فيه نظري. - ألم تر ما فعلوا بالمقام المقدّس؟ بدا وكأنّه لا يعرف عمّا أتحدّث فطرحت السّؤال بصيغة أخرى. - أيجوز أن يهدّم السّور الفاصل بين المسجد الجامع والرّوضة المقدّسة لتحفر بئر ضياع تلامس حافّة الأضرحة لتغمر القاذورات رفاة الصّفوة من أبناء القرية.. بمعنى أدقّ هل يجوز أن تقام مراحيض عموميّة داخل الرّوضة؟! أدار ع...

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد