مقطع من رواية: "من قتل شكري بلعيد"

رواية من قتل شكري بلعيد/ مارس 2020



 الواحدة صباحا تفرّق المشاغبون وخمدت نيران العجلات المطّاطيّة وخفّت سحب الدّخان.. أيّ لحظة أسمى من هذه التي تحياها زهراء بين إغفاءة شبيهة بالطيران عبر غيمة بيضاء خفيفة فوق ساحل هادئة مياه بحاره وساكنة الرّياح من فوقه! أيّ لحظة أروع من هذه وسليمان يحدّق في خصلات شعرها، وفي الصّدار الّذي يحتضن صدرها، وفي العقد الذهبيّ الّذي يحيط برقبتها، وفي السّوار وفي اليد التي حطّت على ركبته! أليس الكون كلّه زهراء! أليس الزّمن هو زهراء! الحبّ المنشود والمفقود، الحاضر والسّاكن في دروب الأيّام القادمة هو زهراء.

لاحت تباشير الفجر.

لاحت التباشير فيا روعة الصّباح القادم ويا روعة الزّمن الذي مضى.

*****

لاحت تباشير الفجر فما الذي سيحدث؟

هيثم ممدّد على السّرير تعبث أصابعه بشعرات لحيته، يستحضر طيف فاطمة، يبعدها متقزّزا حينا ويقرّبها متلذّذا حينا آخر وهي على كلّ حال لا تخلو من جمال وجاذبيّة، وأنّه وهو يتجنّب النّظر إليها كلّما التقى بها ينبض قلبه بقوّة.. بعض الغموض يشدّه إلى حجابها وإلى عينيها الجريئتين، عيناها ترسلان بسحر دونه سحر هاروت وماروت وهو لا يريدها لكنّه يريدها، لذلك قد يكون رفض التفويت في المنزل والاختفاء عن عثمان.. أشياء غامضة في النّفس تتلاطم كالأمواج.

لاحت تباشير الفجر فما الذي سيحدث؟

عبد الصّمد يتنقّل من رصيف الى آخر وهو يدفع بالمكنسة النفايات الملقاة هنا وهناك ويلتقط قطع الخبز، يضعها في كيس يتدلّى من كتفه ويتحدّر على جنبه الأيمن.. يتوقّف عمّ الناصر ليمسح بنظره فضاء النّهج ويدقّق في ملامح المارّة وهم قلّة قليلة منذ أن حلّ الوافد الجديد.. يسعل، تخرج نوبة السّعال من أعماق الصّدر فيستجيب لها وينحني حتى تخضّه وتهزّه وتعبث بجسده المنهك فيميل بكتفه إلى اليسار ملامسا الحائط ومنحنيا دون إرادته ثمّ يستوي محرّكا المكنسة على أرضيّة الرّصيف.

لاحت تباشير الفجر.

تململت فاطمة، دقّ ناقوس الخوف في رأسها، وضعت أصابعها على صدغيها وضغطت بقوّة.. ستدافع عن ابن الجيران بما أوتيت.. أجل لقد حدث أن كرهته لكنّها بقدر الكره أحبّته، ستمنع كلّ مشتر يتقدّم لمعاينة المنزل، كلّ الطّرق ممكنة وكلّ الأساليب.. لا حياء في الحبّ والعشق ليس خطيئة.. الحب كالماء الزلال لولاه لانتفت الحياة وتلاشت الكائنات.. العشق كالضوء الذي يأتي من الفضاءات البعيدة فيرسم الابتسامة على الشّفاه وينعش الأحاسيس، وهو كماء الغيث يغسل دموع الحزن، يمسح الغبار، وهو كتموّجات البحر والنّسيم إنّما يتحوّل في لحظة إحباط إلى رياح عواصف وأمواج عالية وزلازل وبراكين.. تململت بفعل الحبّ الذي غمر كيانها مثل الغمام الأبيض الذي يحطّ على رؤوس الأشجار.

عبد القادر بن الحاج نصر


تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد