غزوات بني عمّي (7) (بئر الحفي واقع لا ينسى)

روضة الشّهداء ببئر الحفي/ سنة 2012

 

أرجوكم أحصوا خطواتي، راقبوها جيّدا، كم هي ثقيلة، كم هي متردّدة، كم هي مشدودة إلى الأرض، أودّ أن أتسمّر في المكان وأتطلّع إلى الرّوضة المقامة جدرانها على أطراف كبدي.

ارتجفت، انتفضت، عصفورا يضرب بجناحيه ليزيل عنه قطرات الماء الباردة وينفش ريشه ليتلقّى ضحكة الشّمس.. ما أجملك أيّتها الشمس المتسلطنة على مباني القرية، تمسح بأشعّتها على مقام الرّوضة وقد وسّع فضاؤها وعلت جدرانها ودهنت فابيضّت وأصبح بينها وبين المسجد الجامع حائط مشترك، وفي الأعلى رفرف العلم المفدّى.

خفق قلبي.. إحساس بالانشراح ملأ أعطافي فاليوم حقّقت أحد أحلامي.

كم أنت رائع يا محمّد مزالي وقامة تطاول أعالي القمم.

من هنا يبدأ الوجه الآخر للحكاية.

أربعة وخامسهم منهم جلسوا في ركن ركين يتهامسون، يمتصّون أثر الصّدمة ويتواصون بالصبر حتّى يحين الحين والأيّام لا تبقي على حال.

كما تسقط عروش وتقام عروش، كما يزاح ملوك من كراسيهم ويجلس مكانهم آخرون.

 غادر رئيس الوزراء ساحة القصبة وحلّ محلّه آخر.

انفرجت ملامح عابسة ومن طوايا العمائم والجبائب أخرجت السّكاكين وشحذت.. لقد أزفت ساعة الانتقام.

ما أضيق فضاءك يا مطعم "بابا البي"، وما ألذّ لحمة الخروف في طبق الألمينيوم الأصفر، لحم بلا حدّ ومشروبات كما تشتهي النّفس.

«سوف نرى من الأقوى، وسنرى من الّذي سيغصّ بغصّته.»

هدّم الحائط المشترك بين المسجد الجامع وبين الرّوضة وحفرت بئر ضياع.

كم تخبّطوا في البرانيس والجبائب وضربوا بأرجلهم الأرض وقهقهوا حتّى الدّموع.

ملامح قرية جديدة وناس جدد وسماء تجرح صفاءها عصائب من سحب سوداء طويلة وريح تلفح الوجوه.

وبدأ الصّراع.

«سقط الوزير الأوّل.»

«قولوا لهذا الذّئب المنفرد إنّ محمّد مزالي هرب بليل إلى الجزائر.»

يمّمت وجهي نحو المجهول، استنجدت بما لديّ من بقايا عزّة في النّفس المحطّمة وببعض رواسب الإنسانيّة لدى القرويّين والفلاّحين وأصحاب الدّكاكين والضّاربة عروقهم في طين القرية والذين ارتووا من ماء الحنفيّة والّذين شربوا من نسيمها والّذين زرعوا وحصدوا وخبزوا دقيق القمح وأكلوه هنيئا مريئا، والّذين أمسكوا بالمسبحة في يد وصحيفة القرآن بالأخرى يهزّون أكتافهم في رحلة صوفيّة.. لا حقد ولا ضغينة ولا أذى.

انتظرت أيّاما وزدت على الأيّام أخرى.

تبدّد الوهم.. المتردّدون على مطعم "بابا البي" أحكموا الطّوق جيّدا حول من لهم نبض بالوفاء للوجوه والرّموز.

نشرت نصّا في إحدى الصّحف اليوميّة يحمل عنوانا صادما «نحن أمّة لا تدفن شهداءها في المراحيض»، يومها نفدت أعداد الصّحيفة من نقاط البيع.

ثارت الثّائرة، لا أحد يتوقّع مثل هذا العنف في مثل هذا الخطاب.

غضب الوالي، جمع في مكتبه المسؤولين، زمجر في وجوههم لكنّهم أطفأوا حرائقه بما هو آت في حاويات الشّاحنات الصّغيرة، وإنّه في النّهاية راحل عن المدينة ولن يحمل معه إلاّ ما حوت جيوبه هدايا وإكراميّات.

أربعة وخامسهم منهم.

عبد القادر بالحاج نصر

فيفري 2018

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد