غزوات بني عمّي (4)

روضة الشهداء ببئر الحفي/ سنة 2012

 

طرقت باب مكتب معتمد القرية، رآني فتفاجأ مرحّبا.. رأى على ملامحي فزعا فارتسمت على ملامحه حمرة خفيفة وابتسامة مفتعلة، هو يعرف أنّني وجه من وجوه الأدب والصّحافة وأعمل في مؤسّسة جهويّة.

حمدا لله أنّني مستقلّ عن الإدارة الوطنيّة.. ذلك قدري وذلك قدرهم.

أحنى رأسه مفكّرا.

- مع الأسف الشّديد إذا كان قد حدث هذا فعلا فإنّه مشين للقرية وتاريخها ونضالها وكبيرها وصغيرها، أطمئنك أنّني لم أعلم به ولم يعلمني به أحد والبلديّة هي المسؤولة عن ذلك ولسوف ترى ما أنا فاعل.

وقفت أمام دكّان موادّ غذائيّة على ملك أحد القرويّين أحبّه وأعتزّ به وأرى في ملامحه بعض تفاصيل محمد الأخضر.. ولكم حدّثني عنه بإعجاب إلى درجة التقديس.

انحنيت على الكنتوار أغرز فيه نظري.

- ألم تر ما فعلوا بالمقام المقدّس؟

بدا وكأنّه لا يعرف عمّا أتحدّث فطرحت السّؤال بصيغة أخرى.

- أيجوز أن يهدّم السّور الفاصل بين المسجد الجامع والرّوضة المقدّسة لتحفر بئر ضياع تلامس حافّة الأضرحة لتغمر القاذورات رفاة الصّفوة من أبناء القرية.. بمعنى أدقّ هل يجوز أن تقام مراحيض عموميّة داخل الرّوضة؟!

أدار عينيه في أنحاء الدكّان يتفقّد حقق السردينة وحاويات السكّر والملح وطوابع الصّابون الأخضر ثمّ نزع من بين شفتيه سيجارة ورمى بها على الأرضيّة وداسها بقدمه عدّة مرّات، بعد ذلك لوى شفتيه وألقى عليّ نظرة باردة.

- مراحيض في الرّوضة! يجوز لم لا يجوز؟ الأرواح ارتقت إلى بارئها وما تحت التراب وفوقه، وما في الجامع وحواليه كلّه تراب.

بهتّ وأنا الملتجئ إلى رجل أحبّه وأعتزّ به وأرى فيه بعض شهامة الرّجال الذين شهدوا بناء القرية وإنشاء الحنفيّة ومدّ السّاقية ونموّ الشّجر الأخضر بماء جداولها، ورأى الأغنام والجمال تأتيها قطعانا ربيعا وصيفا تشرب وترتوي، ورأى أطفال المدارس يلتفّون كخليّة النّحل حول الصّنابير الثلاثة يطفؤون العطش وينعشون وجوههم بالماء البارد.

«أهذا هو أحد أبناء القرية البارّ؟»

أحسست بالقمع يطالني ويجلد كلّ جسدي حتى كبدي، قلبي، عروقي، ألياف دماغي.

سألت عن رئيس البلديّة فقيل لي إنّه يأتي مرّة كلّ نصف شهر بسبب التزاماته الإداريّة بالعاصمة وهو في الأغلب لا يعلم شيئا عمّا جرى.

إنّهم أربعة وخامسهم من طينتهم.

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2018

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد