في حضرة نادي القصّة: 1- الخطوة الأولى

 

في أربعينيّة محمد المختار بن جنّات بنادي القصة

كان ذلك ذات مساء أواسط السّتّينيّات، حين وضعت قدمي على عتبة نادي القصّة خاشعا متهيّبا فقد أحسست أنّني فتحت بابا كنت أراه موصدا بإحكام، بل فتحت قلعة حصينة لا يحلم بفتحها إلاّ الأبطال.

ما إن دخلت قاعة الاجتماعات وكان الفصل خريفا، حتّى غمرني خوف ارتعش له جسدي.. إنّ هيبة الجالسين ووقارهم ورائحة الأدب وطعمه وألوانه المختلفة، كلّ ذلك أدركني وأنا واقف أبحث عن مكان، ولمّا جلست رأيت نفسي صغيرا جدّا، متضائلا جدّا بين الحاضرين.

ابتسامة لا تتعدّى حركة الشّفتين، حركة واحدة لا حركتان ارتاحت لها نفسي وسكنت خفقات القلب.. إنّه الأستاذ العروسي المطوي ذلك الجبل العالي الّذي أسمع عنه وأقرأ له، ذلك الّذي يلوذ به أغلب مريدي الإبداعات السّردية، هو الّذي يتوسّط الجلسة ويترأس الحاضرين.. على المقاعد المصفّفة ثلّة من الكبار الّذين ملأوا السّاحة الأدبيّة إبداعا.

نقّلت نظري هنا وهناك.. هذا مصطفى الفارسيّ صاحب الأسلوب السّاحر في المداخلات والنّقاش، إنّه علم من أعلام القصّة والرّواية والمسرح، إنّه الشّاعر الّذي اختار رسم كلماته باللّغة الفرنسيّة، وإنّه المتحفّز دائما لإبداء الرّأي في كلّ ما يعرض من قصص على الحضور.

بجانب مصطفى الفارسي يجلس في مهابة الفلاسفة البشير خريّف صاحب الغليون الّذي يضفي على هيئته وملامحه إشراقة وبهاء.. حمرة طبيعيّة في الوجه ونظرة ثاقبة وحركة متّئدة.. الانحناء ثمّ رفع الرّأس ورفع الحاجب ترسم كلّها جملا مقسّمة منتظمة سواء تباعدت أو تقاربت فهي نوتات موسيقيّة.. إنّه البشير خريّف القصّاص الموهوب والرّوائيّ المبحر دائما وراء تفاصيل شخصيّاته.

ليس بعيدا عن البشير خريّف وبالجانب الأيسر للعروسي المطوي يجلس محمد المختار جنّات وقد بسط أمامه كرّاس محاضر الجلسات.

آه يا زمن العظماء!

محمّد المختار جنّات يمسك بالقلم ويسجّل كلّ شاردة وواردة.. بين الحين والآخر يبدي رأيه بلهجة ساخرة في قالب نكتة فيتجاوب معه الحاضرون، وحين يوجّه نظره نحو أحد الشّبّان الّذين قرأوا باكورة إنتاجهم يثير الخوف والارتباك ذلك لأنّ محمّد المختار جنّات الخبير في الأعمال السّرديّة لا يقبل إلاّ قصّة متكاملة المضمون والشّكل وواضحة المعاني.

ركّزت نظري على عزّ الدّين المدنيّ الذي ذاع صيته في السّاحة الأدبيّة إذ اتّسمت كتاباته بالجرأة القويّة فهو متمرّد على الأشكال والمضامين التّقليديّة ورافض للأساليب الّتي يعتمدها السّرديون التّونسيّون والعرب في إبداعاتهم السّردية.. عزّ الدّين المدني جالس بجانب حسن نصر الّذي سطع نجمه وانتشرت قصصه ذات المضامين الواقعيّة الطّريفة.. الكلّ يرى فيه مستقبل الرّواية والقصّة ورمزهما بلا منازع.

كم كان محدودا زمن العظماء، لكن العظماء الّذين أشعّوا على دنيا الأدب من خلال نادي القصّة ظلّت أسماؤهم لامعة وإنتاجاتهم حيّة بين طبقات القرّاء وبين الأجيال المحبّة للّإبداع.

ما تزال الجلسة متواصلة والعروسي المطوي يفسح المجال بأريحيّة لكلّ من يريد أن يعرض إنتاجه الجديد أو أن يشارك بالرّأي في النّقاش.. العروسي المطوي لا ينتصر لأحد ولا يرفض رأي أحد أو إنتاجه فهو يلتزم الحياد الّذي يبعث في كلّ الحاضرين كهولا وشبابا راحة نفسيّة وطمأنينة.

حسبت نفسي محظوظا إذ كنت جالسا بجانب محمّد صالح الجابري صاحب النّظرة الحادّة والابتسامة النّادرة والذّكاء الوقّاد.. إنّه متفتّح على كلّ ألوان الأدب وأشكاله وأساليبه يتقبّل كلّ التّجارب الأدبيّة الجديدة، وهو دائم الاطّلاع على الآداب العالميّة شرقا وغربا.. إنّه يمثّل مدرسة قائمة بذاتها في الإبداع السّرديّ.

إلى جانب هؤلاء جلس آخرون لهم نفس الدّرجة من الحضور الأدبيّ والإشعاع الفكريّ منهم محمّد رشاد الحمزاوي ومحمود بالعيد ويحي محمّد وعبد المجيد عطيّة وعبد الواحد ابراهم.

قد أنسى وجوها كثيرة إذ القاعة ذلك المساء غاصّة بالحضور لكنّني لن أنسى شبّانا جاؤوا معي إلى النّادي في نفس الجلسة ومنهم من سبقني بأسابيع قليلة كلّ منهم يتّقد حماسا ورغبة في الظّهور والتّميّز من بينهم أحمد الهرقام وسمير العيّادي ومحمود التّونسي ورضوان الكوني وأحمد ممّو وابراهيم بن مراد وابراهيم الأسود وغيرهم.

أذكر يومها في تلك الجلسة أنّني لم أر قاصّة واحدة رغم أنّهنّ كثيرات أمثال فاطمة سليم وليلى مامي وعروسيّة النّالوتي ونافلة ذهب ونتيلة تباينية.

عبد القادر بن الحاج نصر 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد