قصّة: عاشقة

قصّة:
عاشقة



 ككلّ يوم قبل أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود يؤمّ الرّجل المقهى فهو الزّائر الأوّل قبل الجميع. بعد أن يتّخذ مكانه بقليل يبدأ الحرفاء في التّوافد ويشرع العامل في تلبيّة الطّلبات.

سحابة من دخان كثيف سرعان ما تغمر الفضاء فوق الرّؤوس وآيات من القرآن تتلى لفترة قصيرة تعقبها موسيقى وغناء ثمّ تندثر الموسيقى ويندثر الغناء وتفتح قنوات الأخبار.

يدفن الرّجل وجهه في صفحات كتاب سرعان ما يطويه بعد فترة قصيرة لينهمك في الكتابة.

الرّجل مفتون بالكتابة.

الرّجل لا تزعجه سحابة الدّخان الملتّفة حوله ولا أصوات الحرفاء وحمّى التّعليقات السّياسيّة، يحيط بنفسه سياجا من اللاّمبالاة بما يدور حوله إذ تمتزج حواسّه كلّيا بالصّور الّتي يحاول أن يجسّمها في نصوص مرسومة بقلم الحبر.

الكتابة لديه حركة تشترك فيها كلّ الحواسّ فهو لا يرى الرّؤوس المنحنية والوجوه العابسة والأصابع العابثة بأزرار الهواتف الخلويّة ولا يسمع ما يخوض فيه الحرفاء ولا يرى النّادل وهو يتنقّل بين الطّاولات.

دخلت إلى المقهى واتّجهت مباشرة حيث يجلس الرّجل.

امرأة شابّة جذّابة معتدلة القامة سمراء، أنف دقيق وعينان ساحرتان وخدّان موّردان. حطت عليها كلّ الأنظار وتجمّدت الحركة، حتّى النّادل تسمّر في المكان، حتّى طبق القهوة تجمّد بين يديه، حتّى العرف الواقف وراء الكونتوار لم يتحرّك من مكانه.

شقّ طيفها سحابة الدّخان وجلست قبالته.

سلّطت عليه نظرة حارقة.

إنّه يحبّها إلى حدّ العشق وهو يختزن الحبّ في سويداء قلبه.

ارتعش قلم الحبر بين أصابعه ثمّ سقط على الورقة.

انهالت عليه كلاما متواصلا كما تنهال المطرقة علة السّندان.

«هذه الورقة وما فيها، هذا القلم وما فيه من حبر، وهذه الصّحيفة المطويّة والكتاب وربطة العنق والمعطف الملقى على ظهر المقعد والرّأس الّتي تنوء بها الكتفان، وكتفاك وعقلك وقلبك لا تساوي جميعها أكثر من عقب السّيجارة الملقاة في المطفأة بجانبك.. أنت بلا طعم بلا لون بلا شهامة بلا رجولة، عيب أن يأويك هذا المكان.. هذا مقهى محترم وهؤلاء الحرفاء محترمون، الهباء التّافه الوحيد هنا هو أنت. ألم تقل إنّك ستتحدّى الدّنيا من أجلي، ها قد تعرّيت، لا إرادة لا موقف لا فحولة، ألا تعلم أنّني امرأة، كتلة مشاعر، كمّ هائل من الأحلام جسد يأكل بعضه بعضا، أنا شبكة عروق وأوردة مشتعلة.. الأماكن التي اختلينا فيها شاهدة والكلام والنّظرات المتلهفّة.. كذّاب سافل أجوف وجبان. سحقا للورقة ولكلّ ما كتبت وستكتب، كلّ حروفك لا تساوي خفقة واحدة من خفقات جسدي.»

نهضت المرأة الشّابة ظلّت تحدّق فيه بعض اللّحظات، رفعت يدها وصفعته بقوّة ثمّ استدارت وغادرت المقهى.

لم يتأوّه الرّجل، لم تتحسّس كفّه مكان الصّفعة، لم يلتفت يمينا ولا يسارا بينما عادت الضّوضاء تملأ فضاء المقهى واستأنفت القناة بثّ الأخبار وعادت سحابة الدّخان تتكوّر فوق الرّؤوس.

أحنى الرّجل رأسه على الورقة وحرّك القلم بين أصابعه وتماهى مع هواجسه الّتي تسيل حبرا أسود لزجا مكوّنا أسطرا هيّ مشاعره ونبضات قلبه.

أطلّت المرأة من جديد كما تطّل النّمرة المتوحّشة فاشرأبّت الأعناق وتجمّدت الحركة. امرأة شابّة جدّا وجميلة جدّا لها سحر وسلطان، لها فتنة القمر عند الاكتمال ولها رائحة الزّهر عند استواء الرّبيع.

وقفت أمامه فرفع رأسه مشدوها تائها ذائبا محترقا مفتونا مرتعشا منتظرا.

انحنت وأحاطته بذراعيها، طبعت على شفتيه قبلة محمومة، أمسكت بيده وجذبته، صعدت الدّرج نحو الفضاء العلويّ للمقهى فصعد معها.

«سوف نحوّل فضاء المقهى العلويّ إلى قاعة لإتمام مراسم الزّواج رغم أنفك ورغم أنفي ولا يهمّني الحرفاء ولا النّادل ولا صاحب المقهى، أنت أيضا كما أعرفك لا يهمّك أحدا.»

بعد زمن لحظاته معدودة نزلت الدّرج وشقّت فضاء القاعة السّفلي ثمّ مرقت إلى الخارج بخطى وئيدة.

ظلّت الورقة ممدودة على سطح الطّاولة وظلّ قلم الحبر ملقى بجانبها وظلّت القهوة راكدة في الفنجان وقد انطفأت حرارتها وتكوّر بخارها في أعماقها ولم يهبط الرّجل الدّرج إلى الطّابق السّفليّ ولم يره الحرفاء ولم يعثر له النّادل على أثر.

عبد القادر بن الحاج نصر  

مارس 2016

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد