المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2024

العابرون على الرّصيف

صورة
إهداء بقلم الصّديق محمود وزوجته "دونيز" وأنا في غفلة من الأحداث هتف لي أحد العابرين مثلي.. أو لم تعلم أنّ محمود قد رحل.. بحثت عنه في طوايا الذّاكرة عبر زمن مضى، توقّف بي الخاطر على حافة رصيف أمام مقهى ذي واجهة زجاجيّة، التقطت أنفاسي دون أن ألتقطها، كنت أنا ومحمود ذات صباح متّجهين نحو السّربون الجديدة، فجأة أطلق قهقهة مدويّة.. ماذا لو انتظرتني ذات صباح أمام هذه المقهى ولم آت وذهبت وحدك وحيدا متوحّدا إلى رحاب السّربون. **** صديقي محمود إلى أين هو ذاهب؟ أمس التقيته مسرعا على ناصية شارع سان ميشال قادما من أحد منعطفات الحيّ اللاّتيني، العرق يتصبّب من جبينه، يلهج بكلمات يضيع معناها في فضاء المسافة الّتي تفصل بيني وبينه.. لم يتوقّف، لم ينظر إليّ، ابتعد ولم يلتفت، تبعته، حاولت اللّحاق به، هدّني التّعب. صديقي محمود ترى إلى أين أنت ذاهب؟ كلّ محطّات الحيّ اللاّتيني مررنا بها معا وكنّا نضحك ونمرح، كنّا نسرع السّير ونتمهّل، نتوقّف في فناء مقهى ونطلب قهوة لكلّ منّا، نستنشق بخارها طويلا كأنّها آخر قهوة نحتسيها. إنّه ليس محمود الأيام السّابقة والزّمن الّذي مضى. على الرّصيف وقد ...

زمن أعقاب السّجائر

صورة
زمن أعقاب السّجائر   جالس عمران على عتبة دار أبيه.. خرابة من عهد العائلة الحسينيّة ورثها أبوه عن جدّه، وورثها على ما يبدو جدّه عن أبيه.. العتبة متشقّقة، تحتها ينسكب ماء جار لا ينقطع له رائحة تعوّد عليها عمران كما يتعوّد الرّعاة على رائحة الزّريبة والّد الرّعاة على رائحة الزّريبة والإسطبل. دار منحشرة في إحدى ضواحي العاصمة في حيّ مهمّش.. ولد فيها ومشى في فنائها خطواته الأولى.. تعلّم بعض سور القرآن عند مؤدّب الحيّ.. سار مستويا ومتعثّرا فمستويا، متطلّعا يهفو إلى أن يمسك بخيوط القمر ويصعد حتّى يتجاوز الكواكب ويتّخذ مجلسا عند درب التّبّانة. نطّ كأنّه قطّ اسود. قفز لمّا رأى أحد معارفه يسير على مهل واضعا يده في جيب معطفه. استوقفه فتوقّف والتفت إليه.. حدّق فيه ثمّ ابتسم. - يا عمران، يا عمران، يا سي عمران! - آش طالب؟ - نشوف فيك تايه، دايخ تتكلّم وحدك. - علاش لا؟ ما دام ما لقيت حدّ يسمعني. - يا حسرة على أيّام زمان النّاس ما كانوش ينفّسوك لحظة. - طمّاعة. - يحبّوك. - منافقين. - البعض منهم نعرفو باهي. - الباهي فيهم أسقط عباد ربّي. - سلّفتهم وما خلّصوكش؟ - سلّفتهم؟...

وأمّا ما ينفع النّاس.. لـــ: أحمد الخصوصي

صورة
وأمّا ما ينفع النّاس... أحمد الخصخوصي   أحمد الخصخوصي من أبرز المثقّفين في تونس والعالم العربيّ، وهو كذلك من أبرز المناضلين على المستوى السّياسيّ والاجتماعيّ، جهويّا ووطنيّا وعربيّا.. له مؤلّفات عديدة تفخر بها المكتبة العربيّة. مرّ بالمجلس التّأسيسيّ كنائب برلمانيّ فدافع عن قدسيّة البرلمان والقيم والمثل الّتي انبعث من أجلها فلاقى جرّاء ذلك كلّ أنواع الاضطهاد. أهمّ أصدقائه الحاج محمّد ابراهمي إلى جانب كثير ممّن ساروا على نفس النّهج محبّة في الوطن وإيمانا بمكانة تونس خاصّة في محيطها العربيّ والإفريقيّ. إنّها كلمة منّي مختصرة في شكل تحيّة للأستاذ أحمد الخصخوصي الجامعيّ المتميّز صاحب الفكر والرّأي. أمّا الكتاب فإنّي أدعو القارئ إلى أن يكتشف محتواه الثّريّ المتنوّع الّذي لا تفيه حقّه إلاّ دراسات متعدّدة وبحوث متعمّقة. عبد القادر بن الحاج نصر

لم ينته الدّرس، حسيبة صنديد قنوني

صورة
لم ينته الدّرس لــــ : حسيبة صنديد قنوني  وصلني إصدار من أهمّ الإصدارات لصاحبته الأستاذة حسيبة صنديد قنوني يحمل عنوانا رئيسيّا "لم ينته الدّرس"، وعنوانا فرعيّا في صفحة الغلاف "مذكّرات تربويّة". نقرأ هذا الكتاب فلا نملّ القراءة والمتابعة إذ كتب بأسلوب أدبيّ طريف جذّاب يستولي على الانتباه فينتقل القارئ عبر صفحاته من عنوان إلى عنوان ومن مشهد إلى مشهد ومن قصّة طريفة إلى أخرى ومن درس إلى درس. نترك المربّية الشّاعرة المبدعة حسيبة صنديد قنوني تقدّم بنفسها كتابها: «لم ينته الدّرس منجز في 168 صفحة من الحجم المتوسّط وهو يتضمّن يوميّات معلّمة، بعض ذكريات مع التّلاميذ، جملة من القصص الّتي حدثت داخل الفصل أو خارجه في مدّ بين التّلميذ والمعلّم والمدرسة، عشتها بحلوها ومرّها... لا أنكر أنّ هذه الرّسالة سامية وشائكة، وأنّ هذه المهنة ممتعة ومرهقة إذ لا يكون الفصل ربيعا على مدار السّنة ولا تكون الشّمس ضاحكة كلّ الأيّام ولا تعطيك الورود عطرها دون شوكها، فتجد من التّلاميذ من يشرح النّفس ويبهج الرّوح كما تجد من يرهق البدن ويضيق به الخاطر، فهناك الهادئ والرّصين والمجتهد والذّكيّ وال...

شخصيّات هم مثل أعلى: محمّد المرزوقي، الجيلاني بن الحاج يحيى، محمّد اليعلاوي

صورة
  محمّد المرزوقي كم ألّف وكم نشرت له دور النّشر، وكم وزّعت له شركة التّوزيع، كم أحبّ عمله وكم أخلص له، وكم سعى لتحقيق أهدافه السّامية.. والأهداف السّامية كثيرة، من بينها التّعريف بالمناضلين المجاهدين الّذين رفضوا الاستعمار وحاربوه، وضحّوا في سبيل عزّة تونس واستقلالها.. طاف البراري والصّحارى والجبال راكبا وراجلا.. أبدع في كلّ مجالات الأدب والثّقافة.. كم أخرج من أدراج النّسيان أجمل الأشعار الشّعبيّة.. مؤلّفاته تعتبر من أهمّ المؤلّفات وكتبه من عيون الكتب. اعترضته سائرا في شارع الحرّيّة قريبا من مؤسّسة الإذاعة والتّلفزة وعلى رأسه طربوشه الأحمر المميّز وكنت حديث العهد بالكتابة متلهّفا على الظّهور.. سلّمت عليه فردّ السّلام بأحسن منه ثمّ أخرج من محفظته كتاب "معركة الجلاّز" وأهدانيه. محمّد المرزوقي الجيلاني بن الحاج يحيى إنّه رجل المجالس والنّوادي والنّدوات والعلاقات العامّة وسهر اللّيالي لإنجاز تأليف جديد والتّآليف متواصلة لديه لا تنقطع.. كان مثال المحبّة والوفاء والتّواصل مع الجميع.  جالسته فأحببته أيّام عملت في المركز القومي البيداغوجي لأشهر معدودات.. أيّامها كان يشتغل بالإضافة إل...

عبد العزيز قاسم ومحمّد أركون

صورة
في السّربون الجديدة كان محمّد أركون يدرّسنا الحضارة العربيّة الإسلاميّة وهو من أشهر الأساتذة في جامعة باريس فدائرة معارفه الفكريّة والأدبيّة لا حدّ لها، وطريقة تبليغه المعلومة مدهشة.. كنّا نخشاه ونحبّه ونتجنّبه ونفتن به إذ أنّه بين حين وآخر يذكّرنا بأنّ ما نقدّم من عروض وفروض لا ترقى إلى المستوى المطلوب. فاجأنا ذات حصّة قائلا: «إذا أردتم أن تنجزوا أعمالا علميّة محترمة فعليكم أن تطّلعوا على الدّراسة العلميّة الّتي تقدّم بها عبد العزيز قاسم لنيل شهادة الأستاذيّة.. كذلك تكون الدّراسات العلميّة وكذلك يكون المستوى العلميّ والأدبيّ المناسب بالنّسبة إلى طلاّب الدّراسات العليا.» كم كان ذلك فخرا لي واعتزازا أمام طلبة نصفهم من الفرنسيّين. عبد القادر بن الحاج نصر

شخصيّات هم مثل أعلى: محمّد العروسي المطوي، عبد العزيز قاسم، المنجي الفقيه

صورة
   الأستاذ الشّيخ محمّد العروسي المطوي محمّد العروسي المطوي كنت كلّما دخلت مكتبه بمقرّ عمله، أو مكتبه بمنزله إلاّ وجدته منكبّا على الكتابة أو القراءة، فهو بين قلم يخطّ به على الورق أفكارا واستنتاجات وملاحظات، أو بين دفّتي كتاب من أمّهات الكتب. ولكم كان في هذا الإطار حريصا على تطوير اتّحاد الكتّاب التّونسيّين خلال ترؤّسه له وكذلك اتّحاد الكتّاب العرب الّذي اتّخذ مقرّا له في تونس فترة من الزّمن وكان يترأّسه كذلك. الشّاعر والمفكّر عبد العزيز قاسم عبد العزيز قاسم كنت كلّما دخلت مكتبه بمؤسّسة الإذاعة والتّلفزة إلاّ وجدته منغمسا في مطالعة كتاب أو بصدد الكتابة، وقد كان زمنها رئيس مصلحة المذيعين وكنت مذيعا مبتدئا تحت إشرافه.. وحتّى يومنا هذا مازال الأستاذ عبد العزيز قاسم محافظا على نسق إنجاز بحوثه ودراساته الفكريّة لا يتخلّى عنها أبدا، لذلك يعتبر من أهمّ المفكّرين في عالمنا العربيّ المعاصر.   الأستاذ المنجي الفقيه المنجي الفقيه إنّه رجل المسؤوليّات الكبيرة.. كنت كلّما طرقت باب مكتبه وجدته بين ملفّ وآخر أو كتاب وآخر.. عملت معه وتحت إشرافه منذ أن عدت من باريس بعد إتما...

قصّة: العاري

صورة
من قصّة: العاري   فتح الباب على مصراعيه.. الممشى بين الكراسيّ المبعثرة والطّاولات لا يتّسع إلاّ لعابر واحد.. ألسنة دخان السّجائر والشّيشة تتدافع من أفواه المدخّنين وتتكسّر على السّقف.. النّادل يندفع خفيفا كالغزال بين الحرفاء.. يد تحمل الطّبق، تلتقط الكؤوس والفناجين وتضعها بحرفيّة فنّان فوق سطح الكونتوار ذهابا، وفوق الطّاولات إيّابا. النّادل لا يتوقّف عن الرّكض في الممرّ الضيّق لينحرف أحيانا حسب الضّرورة إلى طاولة بين أخريات. انحنى رأس المتعرّي، سقط رأسه على صدره، عيناه مغمضتان وكأس الشّاي الّذي زيّنته وريقات النّعناع يتصاعد بخاره المنعش في محيط الطّاولة.. إنّه ميّت، لا، إنّه يموت تدريجيّا، لا إنّه نائم، لا إنّه بين غفوة سبات وسكرة الموت.. شهق فجأة، رفع رأسه، أدار بصره في الحرفاء من حوله.. لا أحد التفت إليه.. ترامى البصر يبحث عن أحد المعارف.. لا أحد من معارفه في القاعة.. أدخل يده إلى جيبه.. فارغ جيبه.. ابتسم.. قدره أن تخلو جيوبه من النّقود، وقدره أن يأتي كلّ مرّة إلى المقهى بجيوب فضفاضة فارغة.. ضرب بكفّه على سطح الطّاولة ضربات خفيفة فقويّة.. لا أحد التفت إليه.. دسّ يده في جيبه.....

رجل من بئر الحفي، محمّد الصّالح الجريدي

صورة
محمّد الصّالح الجريدي   كم آوت مدينة بئر الحفي واحتضنت منذ أن كانت قرية صغيرة من وافدين عليها، أقاموا واستقرّوا فمنهم من أقام سنوات طويلة، عمل فيها ثمّ عاد إلى مسقط رأسه أو إلى وجهة أخرى، ومنهم استطاب العيش فيها فسكنها ولم يغادرها وأصبح واحدا من أهلها.. هناك من أتاها من قفصة، وهناك من جاءها من صفاقس، وهناك من قدم إليها من جهة القصرين وهناك من أتاها من الجريد. أحد هؤلاء البررة الّذين دخلوا بئر الحفي واستوطنوها وأصبحت بالنّسبة إليهم المستقرّ الّذي لا بديل عنه، هو محمّد الصّالح الجريدي.. قدم من الجر يد في سنّ مبكّرة وعمل فيها ولم يغادرها إلاّ إذا اشتاقت نفسه لزيارة أهله في الجريد يوما أو يومين. رجل لطيف ودود طيّب على ملامحه بشر دائم.. اختار العمل في ميدان الذّهب والفضّة، وظلّ يشتغل فيه فلا أحد من أهالي بئر الحفي لم يدخل دكّانه ولم يتعامل معه.. ولمّا انتقل إلى العمل في سيدي بوزيد ظلّ مقيما في بئر الحفي مع أفراد عائلته. كان يزورني في منزلي بين حين وآخر كلّما عدت إلى بئر الحفي للإقامة أيّاما.. يزورني لا ليجلس أو ليتناول قهوة أو شايا إنّما ليتعهّد النّخلة الّتي زرعتها في الحديقة.. ي...

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد