من قصّة: "مقهى بابا عزيزي" من مجموعة: بلابل المدينة العتيقة
![]() |
بلابل المدينة العتيقة/ 2021 |
مقهى بابا عزيزي (1)
يخطو الخطوة تتبعها الأخرى بثقل متناه وهو ممسك بنفس المكنسة التي لفّ حول أسفلها خرقة قماش مبلّلة بالماء وبمطهّر الحشرات.. نفس المكنسة ونفس اليد المتهدّلة ونفس الأصابع الخشنة ونفس اللّباس الأزرق الباهت، سترة مفتوحة على الصّدر الأشيب وسروال لا يتجاوز الكعبين، ونفس النّظرة المنطفئة والشّفتين المرتعشتين والجبين المقطّب، نفس الشّعرات الموزّعة على جوانب الرّأس ونفس انحناءة الظّهر وهو يدفع بالمكنسة أمامه، يحكّ بها على أرضيّة المقهى.. يسند المكنسة على الحائط وقد استنزف قواه ثمّ يتّجه إلى الآلة الحاسبة يقبض ثمن القهوة من الحريف ويصرف له البقيّة.
إنّه بابا عزيزي
مالك القهوة ذات الفضاء الواسع في الدّاخل والفضاء الواسع في الخارج وذات الحرفاء
الكثيرين الذين يتوافدون منذ الخامسة صباحا أفرادا وفي مجموعات صغيرة نساء ورجالا.
منذ يومين رفّع
في ثمن القهوة ممّا اثار تعليقات كثيرة بين الزّبائن دون أن يقرّر أحد منهم مقاطعة
المقهى، وفي نفس الوقت تخلّى عن المنظّفة التي ظلّت لأعوام طويلة تقبل على المقهى
قبل الخامسة صباحا تنظّف كلّ الأرجاء في الدّاخل والخارج.
«ما الدّاعي أن يدفع لها أجرة كلّ أسبوع
بينما ما تزال لديه القدرة على القيام بعمليّة التّنظيف دون الاستعانة بالغير، ما
الدّاعي على الإبقاء عليها وقد تجرّأت دون حياء أو خجل على المطالبة بالزّيادة في
أجرتها ما دام قد رفّع في ثمن القهوة.»
بين الآلة
الحاسبة والمكنسة تعثّر بابا عزيزي فسقط على ركبتيه، تأوّه ثمّ أدار بصره في
الجالسين متحدّيا.
- ما زالت
البركة يا بابا عزيزي.
أحنى رأسه، رفع
مؤخّرته ووقف كما يقف الجمل معتمدا على الكتفين وعلى المؤخّرة يرفع ذاك ويخفض
ذلك.. امتطى المكنسة، أغطس الخرقة في السّطل.. وقف حريف أمام الآلة الحاسبة فأسرع
بابا عزيزي إليه وهو الذي كلّما أسرع لم يستطع إخفاء عرج ساقه اليسرى، أطلّت زوجته
محرزّية وسبقته نحو الآلة الحاسبة فتوقّف، مسح العرق وعاد متأنّيا نحو المكنسة.
تمطّى صالح
المكلّف بإعداد القهوة وصلّى على النّبي واستعاذ من الشّيطان الرّجيم، تناهت
الكلمات إلى بابا عزيزي فتوقّف عن كنس الأرضيّة وتوجّه إلى صالح القابع وراء
الكونتوار.
- تصلّى على
النّبي علاش، وتستعوذ من الشيطان الرّجيم علاش؟
- من الغلب
والقهر.
- ما عجبتكش
الخدمة في القهوة؟
- القهوة باهية
أمّا الخلاص ما يوكّلش الخبز.
- ضمّ فمّك
واحمد ربّي، تعرفني ما نحبّش الشيوعيّين في قهوتي.
للقصّة بقيّة
عبد القادر بن
الحاج نصر

تعليقات