قصّة: موّال الصّبر (1)
![]() |
القصّة من المجموعة القصصيّة: |
وضع عبد الله على الشّاحنة "بالات" الأعلاف الجافّة، سوّاها، ألقى نظرة فاحصة على الحواشي، أحاطها بطبقة من البلاستيك الأصفر وشدّها إلى جوانب الشّاحنة بحبال غليظة.
فرش زربيّة واستقبل
القبلة، أدّى صلاة الصّبح وبسط كفّيه كعادته بالدّعاء.. أمسك بالمقود وأشعل الأضواء
الكاشفة فبدا المسلك الّذي يصل الضّيعة بالطّريق العامّ ضيّقا وملتويا.. أزّت
العجلات على الحصى وترجرجت الشّاحنة تحت ثقل الحمولة.
بعض الغيوم الماطرة في
أقصى الشّمال، سوف لن تدركه قبل أن يصل إلى السّوق الأسبوعيّة، ولعلّ الرّيح
تسوقها نحو البحر فتتلاشى.
ما أشدّ على سوّاق الشّاحنات
السّفر في الأيّام الماطرة!
****
أبي ذهب وسيعود.
ككلّ مرّة يسافر
بشاحنته عند طلوع الفجر إلى أسواق الدّوابّ البعيدة ينطلق عائدا بعد أن يفرغ
حمولته ليدرك صلاة العشاء في المنزل.
أبي جنديّ الظّلام،
هكذا يسمّونه، حين يصل إلى ساحة المنزل يطفئ محرّك الشّاحنة، يدور حولها، يتفقّد
العجلات، يتوقّف على عتبة الباب يودّع الشّاحنة بنظرة في منتهى العشق.
يعشق أبي شاحنته، ولا
يرى في الدّنيا غيري، أنا بهيجة ابنته ذات الرّابعة عشرة، يحملني في وجدانه وهو
يطوي الطّريق الملتوية ذهابا وإيّابا.
لم يشأ أن يتزوّج بعد
أن رحلت أمّي وأنا في التّاسعة.. عرض عليه بعض الأقارب الاقتران بالكثيرات وهنّ
جميلات صغيرات طريّات متعلّمات.. رفض رفضا باتّا.. كنت أتلصّص من خلال النّافذة
حين يتحلّقون حول برّاد الشّاي.. كم سمعتهم يوجّهون له اللّوم، يغرونه، يسردون
عليه آيات من القرآن، يستشهدون بسيرة الرّسول، يذكّرونه بحقّ الجسد عليه.
كنت أتلصّص بانتباه
شديد.
لأنّي خائفة كنت
أتلصّص.
أحببت أبي وهو يفنّد
آراءهم، يعضّ على شفته السّفلى بين رشفة شاي وأخرى ويتنهّد.
- ماذا أقول لفائزة يوم
القيامة.. ماذا أقول لها حين يسكنونني قبرا بجانب قبرها.. اتّقوا الله فقد أقسمت
لها وهي على فراش المرض أنّني لن أتزوّج بعدها أبدا.. لن أتزوّج من أجل ابنتنا
بهيجة.
لكنّهم يواصلون
الضّغط.. يمارسون عليه شتّى الإغراءات.
- يا عبد الله ماذا
تقول لجسدك حالما تهفو نفسك إلى امرأة جميلة، امرأة يفوح من ثيابها عطر ومن شعرها
عطر ومن رقبتها عطر، تلتفت إليك في الفراش على ضوء السّهارة فيبرز صدرها شهيّا
بهيّا، آنئذ ستلهث بجانبها شهوة وتبلغ روحك التّراقي.
كنت أتلصّص وأرهف
السّمع فألتقط كلّ كلمة يتفوّهون بها.
ظلّ أبي عبد الله،
جنديّ الظّلام يسمو في قلبي ويستحوذ على مشاعري حتّى ألجأ إلى البكاء الصّامت، ثمّ
يتحوّل البكاء إلى شهقة فرح وراء أخرى.. أسدّ فمي بكفّي حتّى لا تصل الشّهقة إلى
أسماعهم.
- اسمعوا يا جماعة،
خلاصة القول أبوح لكم بسرّ وأرجو أن لا تحدّثوا به.. أنا متزوّج، عقدت قراني سرّا
بعد أن غادرتني المرحومة بأشهر قليلة.. أجتمع كلّ ليلة بزوجتي الجديدة، تحتضنني
وأحتضنها، نتبادل مشاعر الحبّ والوفاء.. والله ما رأيت أوفى منها غير فائزة رحمها
الله.
ساعتها وددت لو أقفز من
النّافذة إلى الخارج، أرتمي على أبي وأوسعه ضربا بقبضة يدي، بل وددت أن أشقّ صدره
وأخرج منه طيف هذه المرأة الّتي تربّعت على العرش مكان أمّي.. ماذا فعلت بي يا أبي
يا جنديّ الظّلام!
انكفأت إلى الوراء
مبتعدة عن الشّبّاك لكنّني سرعان ما عدت إلى مكاني مدفوعة برغبة جارفة للنّظر في
وجه أبي حتّى أشاهد كيف تغيّرت ملامحه، وما فعلت الخيانة به.
أخذوا يضيّقون عليه
الخناق ليخبرهم عن أصل هذه المرأة وفصلها.. الخناق يضيق عليه وأنا أفقد قدرتي على
التّنفّس، أفتح فمي قدر ما استطعت لألتقط الهواء.. أصابني ما يشبه الصّعقة
الكهربائيّة حين همّ بالكلام ولم يتكلّم، وحين أحنى رأسه ومدّ رقبته ودفع بصدره
ثمّ التقط البرّاد من فوق الكانون وصبّ الشّاي على الجمر فأحدث غمامة كثيفة من
البخار.
- ما دمتم قد أقسمتم
أنّكم لم تفشوا السّرّ فها أنا أعطيكم الخبر اليقين لكن مثلما انطفأ هذا الجمر
الملتهب يجب أن ينطفئ هذا السّرّ هنا ويموت.. أنا متزوّج فعلا يا جماعة فلا تسألوا
بعد اليوم.. أنا متزوّج فاتنة ساحرة.
ظلّ أبي يتكلّم وظللت
أسترق السّمع بانتباه شديد.
أصابتهم خيبة فصمتوا
وغمرتني مشاعر فرحة لم أعرف مثيلا لها في حياتي فألقيت بجسدي المنهك على الفراش
أخنق بكفّي صوت شهقاتي المتكرّرة.
متزوّج من الشّاحنة يا الله! أبي متزوّج!
للقصّة بقيّة
عبد القادر بن الحاج نصر
جويلية 2020

تعليقات