أولى مقاهي بئر الحفي

بئر الحفي

عندما يحدّثني أحد العارفين ببدايات القرية.. تزدحم في خاطري الصّور والمشاهد وأشعر بالحنين إلى ذلك الزّمن الّذي عشت بعضه وغاب عنّي بعضه الآخر.

ترتسم أمامي ملامح الرّجال الّذين أسّسوا وبنوا.. اجتمعوا حول نقطة ماء شاركوا في استخراجه من أعماق الجبل وأتوا به في مجرى تحت الأرض وأقاموا حنفيّة ينصبّ منها الماء من ثلاثة صنابير لا يتوقّف ولا تتناقص كميّته.. النّاس يشربون ويرتوون والماشية تحني رؤوسها عند السّاقية والنّساء يغسلن الصّوف على أطرافها ويواصل الماء سيره في اتّجاه الجنائن الّتي ترتاح لخضرتها العيون.

السّلف أتوا بالماء من قلب الجبل والأمل يحدوهم بأنّ الخلف سيضيفون إلى الماء ماء وإلى الحنفيّة أخرى وستتوسّع مساحة الجنائن إلاّ أنّ الخلف الصالح سدّوا المنابع وأوقفوا خفقان الماء في الحنفيّة فلا صنابير تجري ماء ولا عابرو سبيل يتوقّفون منبهرين بالمشهد ولا السّاقية ساقية ولا الجنائن جنائن، وكبرت القرية بالبناءات الفوضويّة والمسالك الملتوية والفضلات المترامية على حواشي الطّرق باستثناء الشّارع الرّئيسيّ والقليل من الأنهج.

كانت قرية جميلة هادئة تعتزّ بأبنائها ويعتزّون بها، يدافعون عنها ويحفظونها من الآفات والمظاهر المخالفة للعادات والتّقاليد السّمحة.

البعض فكّر في أن تكون للقرية مقهى مثلما لديها مخبزة ومعصرة زيتون ودكاكين للموادّ الغذائيّة.. مقهى يأوي إليها المتسوّقون ومن له رغبة في ذلك من الأهالي.

أحد العسكريّين الّذين عادوا من دمشق في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينيّات بعد أن أتمّوا واجبهم العسكريّ في جيش فرنسا خارج الحدود فتح أوّل مقهى.. إنّه عبد السّلام بن خليفة الّذي عمل ضابطا في الجيش الفرنسيّ بدمشق مثل كثير من أبناء القرية في ذلك الوقت.

تلاه بعد ذلك عسكريّ آخر عائد من دمشق هو حمّة الطّيب بن محمد بن أحمد الّذي فتح مقهى في مقرّ يسمّى "حوش الكرمة"، ونسج على منوالهما عليّ بن العابد الّذي ما يزال إلى الآن يروي بصفاء في الذّاكرة ملامح ذلك الوقت.

العجيب أنّ روّاد تلك المقاهي لم يتذوّقوا القهوة السّوداء ولا قهوة بالحليب السّاخن إلاّ في المقهى الّتي أقامها بعد ذلك محمد الطّويل في أواخر الخمسينيّات وأصبحت الأكثر شهرة والأكثر حرفاء طوال أيّام الأسبوع.

هي مقاه بلا طاولات وبلا مقاعد وإنّما "حصر" مصنوعة من الحلفاء يجلس عليها الرّواد متقابلين يلعبون الورق ويشربون الشّاي الّذي يطبخ في برّاد صغير فوق الفحم المشتعل ويوزّع في كؤوس زجاجيّة بيضاء صغيرة الحجم.

يجتمع في هذه المقاهي - عدا مقهى حمّة الطّويل - ليلة السّوق الأسبوعيّة عدد كبير من المتسوّقين الآتين من العروش القريبة والبعيدة يقضّون اللّيل في احتساء الشّاي ولا شيء غير الشّاي ويأكلون حلوى الشّاميّة نسبة إلى الشّام وحلوى الحلقوم وهم يتعاطون القمار من خلال لعبة الورق في مباريات حامية الوطيس حتّى الصّباح ليغادر البعض المقهى خاوي الجيوب منهارا مترنّحا حزينا بينما يغادر البعض الآخر بعد أن جنى أرباحا ماليّة يقضي بالقليل منها حاجاته من السّوق ويحتفظ بالكثير ليخسره ليلة السّوق الأسبوعيّة القادمة.

كلّ هذه المقاهي اندثرت ولم يبق منها غير صورة باهتة في ذاكرة أهل القرية.

عبد القادر بن الحاج نصر

نوفمبر 2017


تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد