مقطع من رواية: حديقة لكسمبور

رواية حديقة لكسمبور



قبل أن تغرق باريس في الضّباب والغيوم والمطر غادرت مقهى سوفلو القريبة من السّوربون ووضعت قدمي على عتبة حديقة ليكسمبور منها يتضوّع السّحر والفتنة كما يتضوّع البخور من المجمرة.

تمشّيت بهدوء الشّعراء، وتوقّفت هنا وهناك وقفة الرّسامين، وتنقّلت خطوة بعد أخرى بهدوء العاشقين.. أتراني لا أستطيع أن أكون كذلك، عاشقا، وأنا أتخيّل مفاتن الجنّة، خضرتها وماءها وهواءها وملائكتها.. أتخيّلها فأجد نفسي أسير في معابرها وأجلس على مقاعدها وأسرح النّظر في حورياتها الغاديات الرائحات.

سماء يزيّنها وشاح متقطّع من غيوم وأرضيّة تصطفّ عليها الأشجار العالية وتغطّي أطرافها الأعشاب الّتي لا تزول خضرتها.. أمّا الأشجار فقد أخذ بعضها يتعرّى.. أوراق تتساقط، يابسة شاحبة تتلهّى بها ريح تهبّ قليلا وتسكن قليلا.. كم تبدو ساحرة هذه الأوراق تتدحرج على جنبات المعابر مسافة من زمن، وتتوقّف مسافة حسب مشيئة الرّيح.

كلّ ما في الحديقة يدعو إلى التّأمل.. كيف لا أتذكّر الشّاعر لامارتين وهو يتأمّل بحيرته الشّهيرة.. يلفظ همومه في فضائها ويغرق أحزانه في مائها.. كانت الحبيبة هنا إلى جانبه، معا يناجيان عظمة الطّبيعة، ومنها يستمدّان عظمة العشق.

لامارتين جالس على حجر يتابع بنظره أسراب الطّيور تحلّق، تحطّ، تغوص بمناقيرها في الماء، تلتقط رزقها وتخفق بأجنحتها لترتمي في الفضاء.. أنا هنا أتمشى بين الأشجار، أقف حيث تقف ورقة تعبث بها الرّيح، وأسير حيث تنتقّل الورقة بمشيئة الرّيح.. بين الشجرة وورقتها رباط لا تبلى وشائجه مهما اتّسعت المسافة بينهما وإن تحوّلت الورقة إلى ذرات فتراب، وإن ازدانت الشّجرة بأوراق جديدة خضراء يانعة.

الشّجرة هنا والورقة هناك.

أنا هنا والقرية ومزارعها وأشجارها وبيادرها وحنفيتها وساقيتها وبساتينها هناك.. بيني وبينها بحار لا يحدّها حدّ.

لن أغادر الحديقة إلا بسبب قاهر.

والأسباب كثيرة قد تأتي في لمح البصر.

فتحت الجامعة أبوابها وتقاطر الطّلبة في ساحاتها.. هكذا رأيتها وأنا جالس في حديقة ليكسمبور.

اشتدّت الرّيح فترنحت الأغصان وأخذ العشاق يغادرون مجالسهم وأنا ككلّ العاشقين طويت كتابي وكراسي ويمّمت وجهي نحو مكتبة سانت جونفياف لكن قبل أن أرتمي داخل قاعتها الفسيحة جلست في مقهى سوفلو، احتسيت قهوة سوداء، لملمت خواطري، تنهّدت تنهيدة العاشق الّذي لم يعرف العشق إلاّ في صفحة كتاب.

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد