غزوات بني عمّي (8) (بئر الحفي واقع لا ينسى)

بئر الحفي

 
«اتركوا الحفرة كما هي حتّى تقول اللّجنة كلمتها الفصل ولكلّ حادث حديث.»

هدأت العاصفة.. الزّمن كفيل بطيّ الأحداث ومداواة الجراح فماذا يعني روضة الشّهداء في نفوس النّاس والنّفوس كلّها ضعيفة، أمّا هذا المارق فينتظره حساب عسير.. ما الّذي سيحدث لو غرز أحد سكّينا بين كتفيه عندما يضع قدمه على الأرض مترجّلا من سيّارته أو يضع قدمه راكبا السيّارة مغادرا.. أعتى الفدائيّين سقطوا في الحبائل مضرّجين في دمائهم وذهبت الدّماء هدرا فما بالك بمحارب يخوض المعركة وحيدا بلا عدّة ولا عتاد.

ضحكوا.. تشهد بذلك أركان مطعم "بابا البي" وطاولاته وجفنات مرقه.

تلا المقال الصّحفيّ آخر، وتتالت التقارير إلى وزارة الدّاخليّة.. الوالي ينتفض، يحيط برقبته طوق الهدايا والإكراميّات، وتحاصره تساؤلات وزارة الإشراف.

لابدّ ممّا ليس منه بدّ.

في الكتابات حقائق وفي التقارير اتّهامات بالخيانة والغرق في الفساد.

«أنا الوالي أعرف نفسي جيّدا نقود ترنّ في الجيب وزرابيّ مبثوثة وأخرى مطويّة، وهبات مختلفة.. ما باليد حيلة.. مواجهة هذا الذّئب المنفرد أهون من التراجع إلى الوراء.. الذّئب المنفرد أمامي وأصحاب الإكراميّات ورائي.»

جمع حوله كلّ فرد تلمع في عينيه لهفة الدّنيا وعلى ملامحه بلادة الحمير وفي طوايا النّفس حقد الجمال.

«وصيّتي الأولى والأخيرة كلّما نزل هذا الذّئب في القرية يمنع منعا باتّا أن تمدّ له يد بالمصافحة بل تعمّدوا الاقتراب منه فإذا ما همّ بإلقاء التحيّة أديروا وجوهكم وأفشوا في النّاس أفظع الصّفات عن سيرته.»

ذات صباح حوّلت إليّ عاملة الستندار مكالمة.. «الوالي على الخطّ.»

- أرجو أن نلتقي في مكتبي على السّاعة التّاسعة صباحا لنتّخذ معا قرارا نعيد به المياه

إلى مجاريها فنطوي الصّفحة إلى الأبد.

لم أكن متفائلا.

نزلت بالقرية، وجوه عابسة، شفاه متيبّسة، جباه تتكسّر على عرضها التجاعيد.. لم أمدّ يدي لأصافح أحدا ولم يمدّ أحد يده ليصافحني.

بتّ ليلتي أستعرض أحداث الأشهر الماضية.

دخلت مكتب الوالي.. هالتني هيئته فغمرني إحساس بالاشمئزاز.. رأس صلعاء تدور فوق رقبة غائصة بين الكتفين كأنّها لا رقبة، عينان تدوران في مغارتين غائرتين دون توقّف كأنّهما لا عينان.. حوله في صفّين متقابلين عدد كبير من المسؤولين، كلّ واحد منطو في بدلته الرّسميّة، منكمش على نفسه، كلّ واحد دسّ يده في جيبه ممسكا بمقبض سكّين للانقضاض في اللّحظة المناسبة.

- تفضّل سي... لك الكلمة.

أحطت في ربع ساعة بأطوار القضيّة، ذكرت الأسباب الخفيّة والدوافع، بدأت من البداية وأنهيت مداخلتي مختصرا المواقف.

انعكست بهتة عابرة مفتعلة على ملامحه.

- الآن فقط فهمت.. أعتقد أنّهم أوقعوني في خطأ، سوف أفعل ما يجب فعله باعتباري ممثّل الدّولة والأمين على هذه الجهة ومكتسباتها ومقدّساتها أمام الله والنّاس.. اسمع يا سي... أرجو منك الحضور في الأسبوع القادم عند روضة الشّهداء، هناك سوف نرى ما يتعيّن فعله.

انبثقت من عينيه الغائرتين شحنة كذب ونفاق، ارتسمت على الشّفتين بسمة مومس محترفة.

- ظننت أنّك اقتنعت بالعرض الذي قدّمته لك؟

- طبعا طبعا، لقد أحطت بكلّ جوانب القضيّة حتى لا أقول الجريمة.

- إذن يا سيادة الوالي ما يتعيّن فعله ليس أكثر من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

غاص بأنفه في الورق أمامه وحرّك كتفيه.

- أجل هذا صحيح، على كلّ حال سنتّخذ القرار المناسب بحضورك وحضور رئيس البلديّة.

توجّهت إليه بنبرة احتجاج:

- مجيئي مرّة أخرى سيكون عمليّة عبثيّة.

طويت أوراقي وعدت محبطا إلى العاصمة، في نفس الوالي ترتيب آخر تحت الطّاولة.

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2018 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد