قصّة: موّال الصّبر (3)

قصّة:
موّال الصّبر (3)

رابط لقراءة موّال الصّبر (1)

رابط لقراءة موّال الصّبر (2)


 كفّت المطر عن النّزول، لكنّ السّيول تغمر الدّنيا، الطّريق والمنخفضات والحقول والأرض الزّراعيّة والمساحات البور.

تنفّس عبد الله الصّعداء، تأخّر كثيرا عن الوصول لكن لا يهمّ.. المهمّ أن يصل إلى المنزل سالما.. ضغط على الدّواسة فقفزت الشّاحنة.. أميال قليلة وتنتهي رحلة العذاب.

****

غابت الشّمس وانتشر الظّلام.

وقفت بهيجة على العتبة وأطلّت على الدّنيا.. أضواء قليلة تتراقص من بعيد، أبوها قادم، تلك أضواء الشّاحنة، إنّها تعرفها جيّدا، هكذا توهّمت، ساطعة وهّاجة.

****

انتبه عبد الله متأخّرا لمّا انحنى الطّريق وانعرج فمالت الشّاحنة، دارت نصف دورة، أزّت العجلات على الماء والحصى والطّين.

«كم من شاحنة، كم من سيّارة انقلبت في هذا المنحنى، في هذا الشّريط الدّائريّ.. انقلبت عربات كثيرة لكنّ شاحنتي عهدتها تعرف المنحنى جيّدا وتعرف كلّ منعرج.. إنّها تجتاز المسافات القاتلة وتصل من تلقاء نفسها إلى برّ الأمان.. أعرفها، أعرفها والجيران يعرفونها وبهيجة كذلك.»

****

استدارت بهيجة وقدحت الثّقاب وأشعلت الشّموع واحدة بعد أخرى.. هالة من الضّوء انعكست على خبزة المرطّبات فبدت كأنّها قبس انبلج عند اصطدام الماء بأشعّة الشّمس.

****

التوت الشّاحنة مع المنعرج، كلّت العجلات وكلّ المحرّك وكلّت الدّوّاسة وكلّت القدم واستعصى المقود على اليدين القويّتين.. اختارت الشاحنة أن تستريح فقفزت نحو الوادي، غاصت مقدّمتها في الطّين وارتفعت مؤخّرتها والعجلات.. استقبلها الوادي كما استقبل شاحنات كثيرة.. لم تشتعل فيها النّيران ولم تنشطر، لم تتجزّأ أجزاء كشاحنات كثيرة، ظلّت كما هي.. إنّها شاحنة عبد الله كما يعرفها النّاس لكنّ مقدّمتها غائصة في الوحل والماء ومؤخّرتها والعجلات معلّقة في الهواء.

حين يلوح الفجر ستمرّ شاحنة أخرى، ستتوقّف، يترجّل السّائق، يحدّق في قاع الجبل، في تلافيف الوادي، سيشاهد الشّاحنة منغرزة في الطّين، سيدرك أنّها شاحنة عبد الله جنديّ الظّلام، سيستخدم هاتفه الجوّال ويطلب النّجدة.

سيحدث هذا حتما مع تباشير الفجر.

****

انتظرت بهيجة واقفة على عتبة الباب حتّى مال بها التّعب إلى الجلوس.. جلست على المقعد قبالة خبزة المرطّبات المحاطة بالشّمع تقلّب النّظر في أرجاء المكان.. أخذت تعدّ الشّموع من اليسار إلى اليمين، تبعثر العدّ، ركّزت نظرها من جديد تعدّ الشّموع من اليمين إلى اليسار، دارت حول هالة الضّوء عدّة مرّات، دارت حتّى تلكّأ البصر وتعبت الجفون، بسطت كفّيها، طوت ذراعيها وحطّت بجبينها على سطح الطّاولة.. أغمضت عينيها.

«سيأتي بعد دقائق، بعد ثوان، بعد ساعة أو بعد شروق الشّمس.. لقد تركت له الباب مفتوحا.»

أسلمت نفسها لغفوة طويلة.

رأته قادما ورأت نفسها ترتمي في أحضانه، رأته يجلس متنهّدا على محياه اشراقة الانتصار، رأت نفسها تقبل على المطبخ، تصبّ الحساء في الصّحن وتضع الصّحن في طبق، تقطع خبزة الطّابونة قطعا تحيط بها صحن الحساء، أمسكت بقدح الحليب وبحثت له عن مكان بين الصّحن وقطع خبزة الطّابونة.. دفعت به إلى الأمام قليلا ثمّ جذبته إلى الوراء قليلا، ارتطم بحاشية الصّحن فانقلب.. أرادت أن تدركه قبل أن يسيل الحليب ويغمر قطعة خبزة الطّابونة، ارتعشت يدها فارتطمت بصحن الحساء.. حليب وخبز وحساء.. انشرحت نفسها فضحكت.. أليس أبوها يحبّ العصيدة، أترى هناك ما هو ألذّ وأحلى من العصيدة.

****

انتفضت حين سطعت الأنوار فأضاءت فضاء البيت.. طغت أضواء العربات والشّاحنات الّتي جثمت في ساحة المنزل على ضوء الشّموع.. اهتزّت حين صمّ سمعها أزيز حادّ متداخل.. ارتجفت بفعل الضّجيج والهرج وصدى الأقدام المقتربة من الباب والكلمات المبحوحة المتواصلة.

«الصّبر يا خالق الصّبر.. من مات ارتاح.»

رفعت رأسها، تطلّعت شهقت.

«الصّبر الصّبر.. ادع له بالرّحمة والمغفرة إنّه السّابق ونحن اللاّحقون.»

قفزت توسّطت العتبة، نظرت دقّقت النّظر، شاهدت الجثمان محمولا على الأكتاف، شهقت من جديد أحاطت رأسها بيديها.

شهقت، ضربت رأسها بالحائط عدّة مرّات حتّى نزّ الدّم وسال على ثوب السّلطانة، سلطانة، نوادي المصائف والرّحلات.. ضربت رأسها من جديد على الحائط، شهقت ثمّ تهاوت.

 عبد القادر بن الحاج نصر

جويلية 2020

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد