غزوات بني عمّي (9) (بئر الحفي واقع لا ينسى)
في اليوم الموالي استقبل في مكتبه الجماعة وتلاهم عمدة
القرية الّذي شقّ عصا الطّاعة وآزر الذّئب المنفرد مدافعا عن حرمة الشّهداء.
- أمرتك ألاّ تصافح ذلك الذّئب؟
- هو ابن عمّي والدّم الّذي يجري في عروقه هو دمي،
قضيّتنا مشتركة وإيماننا بالله والوطن والمقدّسات لا يعلو عليه متعال.
- سوف أعزلك من منصب العموديّة، سوف أنسفك نسفا، سوف
أجعل منك عبرة للآخرين.
- تستطيع أن تفعل ذلك فأنت ممثّل الدّولة في هذه الجهة
والحارس المؤتمن عليها لكنّ روحي أنا من روحي أولئك الرّاقدين تحت التّراب، هم تحت
الأرض وأنا فوقها.. لن أحيد عن المبدأ حتى لو اضطررت إلى تسوّل قوت يومي أو
التمعّش من التراب.
تجمّع عدد من الصّبيان في عمر الزّهور أمام الرّوضة
وهتفوا: «العزّة لتونس والمجد للشهداء.»
بعد وقت قصير كبرت حلقة المحتجّين.. رنّ الهاتف في مكتب
المعتمد الذي تفاجأ بالحدث الغريب.. اتّصل بالوالي مستحضرا شكل تلك الرّأس
الصّلعاء الّتي تسقط على الكتفين كأنّها صخرة من صوّان فلا رقبة ولا عنق ولا
حلقوم.. استحضر الرّأس وهي تنتفض كأنّما تتلقّى ضربات حادّة بمطرقة حديديّة.
- ادع أكبرهم سنّا حالاّ، أبلغهم أنّهم لو أعادوا الكرّة
فسيتمّ القبض عليهم بتهمة الانتساب إلى الإخوانجيّة.
تفرّق الصّبيان لكنّ الخبر وصل إلى الدّوائر العليا
فالبوليس يحصي كلّ شاردة وواردة.
جلس الخمسة في قاعة الانتظار بعضهم ينفث دخان سيجارته
بقوّة إلى الأعلى والبعض يتابع دوائر الدّخان تلتفّ حول بعضها تتشابك وتتحلّل
وتتجمّع لتذوب.
- سيّدي.. لا ينكر أحد فضلك فأنت المحطّة الوحيدة
المضيئة في هذه الجهة، كرمك تجسّم رحمة على الوجوه.
أخرج المتّكئ بمرفقه على حافة المكتب من حقيبة جلديّة تقشّرت
بعض أطرافها قرطاسا كبيرا لفّ بعناية فائقة وربط بشريط حريريّ أصفر.
- هذا ما جمعناه بعد عناء من أجل المصلحة العامّة..
أشغال بناء المعهد الثّانوي تحتاج إلى أضعاف هذا المبلغ.. ما جمعناه نضعه بين يديك
الكريمتين وأنت أدرى بالتفاصيل.. لم يتسلّم منّا أحد وصلا ولا وثيقة، جمع
التبرّعات تمّ بطريقة شبه سرّية، وإن تخفوا التبرّعات خير لكم.. كلّنا بسطاء في
القرية وعلى إيمان قويّ وخير كثير، كلّ نداء استغاثة تصحبه هبّة، وفي كلّ مرّة
ينهال الغيث النّافع وأركان القرية تتأسّس تحت رعايتكم.. كلّ ما نأخذ من عندهم هو
من عند الله والعرق الذي ينزف من جبينك يستحقّ الجزاء، بمثل هذه التبرّعات نطهّر
أنفسنا ونؤسّس لأولادنا الذين هم أولادكم.
شائعة انتشرت ثمّ خفتت.. أوّل الأحداث خبر طائر مع
الرّيح، عابر كأنّه تفاصيل حلم.. اتّكأ على المكتب بمرفقه وأسند جبهته على صفحة
البلّور السّميك التي تغطّي اللّوح.
قبل أن ينشر الخبر على الصّفحة الرّسميّة للوزارة فتح
الأدراج وسافر إلى الشمال الغربيّ أكثر من مرّة حيث مسقط الرّأس، وطوت نفس الطّريق
شاحنة متوسّطة كأنّها سيّارة موتى محمّلة بالأثقال تبعتها أخرى على مسافة قريبة.
الشّائعة تحوّلت إلى خبر صريح.
«تمّ عزل الوالي من منصبه.»
الوالي! تلك الرّأس الصّلعاء اللّولبيّة، تلك العينان
المتحرّكتان في حفرتين غائرتين! الوالي! ذلك اللّعاب السّائل من زاويتي الشّفتين
المتحدّر على الذّقن! الوالي! تلك النّظرة المومس المتلهّفة الّتي تحطّ على جيوب
الزّائرين قبل ملامحهم! الوالي! تلك الأصابع القصيرة المرتعشة كأنّها خارجة من كدس
فضلات!
ذهب.. والتحقيق قد يفتح في أيّ يوم، في أيّ ساعة..
الصّفحات لا تطوى كما نشاء، الأحداث تظلّ تحوم حول الرّؤوس، تحفر في ألياف
الدّماغ، وتسكن حمّى الخوف الجسد فترتعش الرّكب وتلتوي الأجساد.
ارتعشت ركب الوالي وهو يغادر السّكن الملاصق لمقرّ
الولاية.. دارت عيناه في المغارتين ثمّ سكنتا.. لا أحد.. الكلّ انتشر في الأرض.
أيام كالأشهر وأشهر كالأعوام.
أزيلت الحفرة من حرم الرّوضة وأعيدت المياه إلى مجاريها.
البعض مرض مرضا عضالا، والبعض ضربته آفة الفقر، والبعض
أصابه مسّ، والبعض مات.. ريح صرصر عصفت أيّاما وليالي حسوما.. نكّست رؤوس وانحنت
ظهور إلاّ حرم الرّوضة فقد أشرقت عليه أنوار شمس ساطعة ورفرف في الفضاء علم
البلاد.
ذهب وال وأتى وال جديد.
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات