قصّة: يوم غائم

يوم غائم

 
كان الفصل ربيعا واليوم غائما.

رأيتها، عند تباشير الصّباح، واقفة على جادة الطّريق الّتي تصل أحياء المدينة ببعضها، مرتدية معطفا يميل إلى السّواد وتحته سروال دجين أزرق تلتقي أطرافه بنعل في لون المعطف، وعلى الرأس وضعت فولارة تزيّنها زركشة خفيفة هادئة.

كأنّها هي.. قد تكون هي.

أيخونني النّظر! قد لا تكون هي وإنّما بعض منها، بعض من طيفها، بعض من وقفتها عندما تتوّقف لتسوّي طرف الفولارة أو ياقة المعطف، أو لتفتح حقيبة يدها لتخرج هاتفها الخلويّ.

على جادة الطّريق عاملات تنظيف يتسلّيْن بالحديث ويسقن النّفايات من مكان إلى آخر.

اقتربت منها حتّى لم يعد بيني وبينها غير خطوات، حرّكت رموشها قليلا دون أن ترفع رأسها، تورّدت وجنتاها ثمّ أسدلت رموشها وبحركة عفويّة أمسكت بطرف الفولارة وشرعت تتكلّم في الهاتف الخلويّ.

على شجرة السّرول الّتي تطاولت على السّور وتعالت حيث تقف الفتاة قرفصت حمامة لا تكفّ عن الهديل.

إنّها تكاد تكون هي بتفاصيل ملامحها بتناسق لباسها، ببشرتها السّمراء الرّمانيّة، بطيفها الخفيف كأنّها قبس ضياء في ليل يلتفّ على المدينة.

غادرت المكان فتبعتها.

أظنّها هي. راودني إحساس بأنّها الفتاة الّتي أحببت، الفتاة الّتي انزرعت في وجداني ثمّ اختفت من مجال نظري منذ أسابيع عديدة. ما الّذي يمنع من أن تكون هي، ما الّذي يؤكدّ أنّ نظري لم يصبه كلل فاختلطت الأطياف وتماهت الرّموش والعيون والوجوه!

مشت على الرّصيف.

مشيت وراءها.

إنّها الفتاة الّتي أحببت وإلاّ فما معنى أن تقف في نفس المكان الّذي كانت تتوقّف فيه حبيبتي كلّ صباح، وما معنى أن ترتدي نفس الملابس بنفس الألوان، وما معنى أن تكون لها نفس النّظرة المتكسّرة والالتفاتة المتأنّية، وما معنى أن تتّبع نفس خطّ السّير الّذي تأخذه عادة الفتاة الّتي أحببت!

توقّفت فجأة ووجّهت نحوي نظرها.

إنّها هي.

قطرات خفيفة من الرّذاذ تساقطت على المكان، لم تمرّر كفّها على جبينها ولم تعدّل وضع فولارتها ولم تتأفّف.. هكذا كانت تتصرّف الفتاة الّتي أحببت كلّما أحاطتها الغيوم بدفق من الرّذاذ.. إنّها تستطيب وقع الماء المنهمر على جبينها وحاجبيها ورموشها وأنفها وشفتيها.. كم أتخيّلها تستلذّ رطوبة الماء.

مثل الفتاة الّتي أحببت رفعت رأسها متطلّعة إلى الفضاء من حولها فيما أخذت تتكثّف الغيوم على المباني محيطة بالمدينة المترامية الأطراف.

واصلت السّير على جادة الطّريق حتّى بلغت مقرّ عمل الفتاة الّتي أحببت، توقّفت، مسحت قطرات الماء بكفّها وعند كلّ مرّة تبسط الكفّ أمامها تنظر فيها مليّا كأنّما تلذّذ رطوبة الماء. سوف ندفع بيدها إذن الباب وتتّخذ مكانها من المكتب المعدّ لها.

سرى في كياني فرح شبيه بالنّسيم الّذي يهبّ على المحيط في اليوم الحارّ.

إنّها هي، هي الفتاة الّتي أحببت، هي كما عرفتها وكما عرفتني، كما توقّفت كلّ يوم لتبادلني تحيّة الصّباح ولترسم تلك الابتسامة الّتي تشبه ابتسامة النّهر حين تمزّق الشّمس الغيوم المتراكمة فيحتضن الماء بالأشعّة.

مسحت الماء بكفّها الأيمن عن جبينها ثمّ بكفّها الأيسر والآن تتهيّأ لدخول مقرّ العمل.

الآن أستطيع أن أقترب منها فقد زال الشّك تماما، سألقي عليها التّحيّة كما فعلت دائما وستردّ عليّ بمثلها كما فعلت دائما. حين خطوت نحوها أخرجت مطريّتها من الحقيبة واستأنفت السّير إلى أن ابتعدت، إلى أن غابت في تلافيف الطّريق، إلى أن حالت أكداس الغمام بيني وبينها.

عدت على أعقابي وأنا أردّد مقدّمة قصيد لـ "قيّوم أبّولينار Guillaume Apollinaire.."

ذات يوم غائم في مدينة لندن.”

اعترضني متسّكع يشبه حبيبتي فتبعته”.

على جادة الطّريق وأنا عائد أدراجي إلى حيث لا أدري عاملات التّنظيف يتلهّين بدفع النّفايات ووضعها في الحاويات الصّغيرة المنتصبة في كلّ زاوية من زوايا المدينة.

عبد القادر بن الحاج نصر

مارس 2016

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد