أحمد بن صالح ومغلّف الشّكلاطة
![]() |
| أحمد بن صالح |
ذات يوم، قبل الثّورة بسنوات قليلة، عنّ لي وأنا الكاتب المتواضع، أن أهدي مجموعة من رواياتي وقصصي للرّجل الّذي أحببته دائما وآمنت بصدقه وأحببت وطنيّته وتفانيه وتضحياته والتزامه بالمثل العليا الّتي نشأ عليها أغلب أولئك الّذين قاوموا الاستعمار وأسّسوا أركان دولة الاستقلال.
أرسلت إذن عددا من مؤلّفاتي السّرديّة إلى الأستاذ أحمد
بن صالح فلم يمرّ وقت طويل حتّى وصلتني مجموعة كتبه مهداة إليّ بتوقيعه.
إنّها مفاجأة أولى، سارّة بلا شكّ، وذات معنى يختزل
أخلاق الرّجل الّذي ملأ صيته في السّتينات أرجاء تونس وكلّ أنحاء العالم.. سررت
بمؤلّفاته فهي أجمل هديّة تلقّيتها في دنيا الكتاب، وهي من أحمد بن صالح بطمّ
طميمه.. أليس هذا وشاح شرف أفتخر به وأعتزّ!
مرّت أسابيع وإذا بي أتلقّى إشعارا من البريد فاتّصلت
مسرعا بالمكتب القريب من منزلي وتسلّمت مغلّفا آتيا من سويسرا، حملته دون أن أعرف محتواه..
تردّدت في فتحه عندما وصلت إلى المنزل لأنّ اسم صاحبه كتب باختزال مقتصرا على
الحروف الأولى.. تردّدت لأنّ أيّامها شاعت بين النّاس وعبر أوروبا وأمريكا خاصّة
ظاهرة الإرساليات الّتي تحمل متفجّرات.. لم أدر كيف سيطر عليّ هذا الإحساس فغمرني
الخوف.
وضعت المغلّف أمامي وأخذت أفكّر، أأفتحه أم لا أفتحه؟
أأعيده إلى مكتب البريد وألتمس من العامل التّأكّد من محتواه أو لا أعيده؟
في النّهاية - وكنت جالسا لوحدي في صالون المنزل - أقنعت
نفسي بأنّ المغلّف حتّى وإن احتوى على متفجّرات فلتتفجّر فأنا لست صاحب مواقف
سياسيّة ضدّ النّظام وإنّما لديّ فقط مواقف أدبيّة حادّة ضدّ الفساد الّذي تقوم به
آنذاك مجموعات وأفراد محسوبون على النّظام رغم أنّني لم أتلقّ يوما أيّ لوم أو رفض
لمضمون ما أكتب بل كنت أكتب بتحرّر كامل دون إرهاصات، ثمّ فرضا لو تفجّر المغلّف
فسأنال شهرة واسعة لن أنالها حتّى لو ملأت الدّنيا كتبا في السّرد والإبداع.
تسلّحت بشجاعة البدو وفتحت المغلّف بعد أن تأكّدت من أن
لا أحد من عائلتي قريب منّي.. فتحت المغلّف فكانت المفاجأة الكبيرة، إنّه مملوء
بالشّكلاطة، أرقى أنواع الشّكلاطة وألذّها، لكن لا أحد لديّ من عائلتي في سويسرا، ولا
أحد من معارفي في أوروبا بأكملها لديه فائض من كرم وأريحيّة ليرسل إليّ الشّكلاطة.
عدت إلى اسم المرسل الذي اختزله صاحبه في ثلاثة حروف
وأخذت أستعرض القاصي والدّاني من الشّخصيّات الّتي عرفتها وعرفتني في حياتي.. بين
طابع شكلاطة لذيذة وآخر تفتّحت قريحتي وتوقّد ذكائي فجأة.. إنّه أحمد بن صالح A B S ولا أحد غيره.
سيظلّ أحمد بن صالح وهو بيننا، وسواء غبنا عنه أو غاب
عنّا، بطلا قوميّا ومناضلا وطنيّا شرسا وشخصيّة سياسيّة واقتصادية عالميّة عالية
القدر واسعة الشّهرة.
عبد القادر بن الحاج نصر
نشر في 31 جانفي 2019

تعليقات