قصّة: العاري
![]() |
من قصّة: العاري |
فتح الباب على مصراعيه.. الممشى بين الكراسيّ المبعثرة والطّاولات لا يتّسع إلاّ لعابر واحد.. ألسنة دخان السّجائر والشّيشة تتدافع من أفواه المدخّنين وتتكسّر على السّقف.. النّادل يندفع خفيفا كالغزال بين الحرفاء.. يد تحمل الطّبق، تلتقط الكؤوس والفناجين وتضعها بحرفيّة فنّان فوق سطح الكونتوار ذهابا، وفوق الطّاولات إيّابا.
النّادل
لا يتوقّف عن الرّكض في الممرّ الضيّق لينحرف أحيانا حسب الضّرورة إلى طاولة بين
أخريات.
انحنى
رأس المتعرّي، سقط رأسه على صدره، عيناه مغمضتان وكأس الشّاي الّذي زيّنته وريقات
النّعناع يتصاعد بخاره المنعش في محيط الطّاولة.. إنّه ميّت، لا، إنّه يموت
تدريجيّا، لا إنّه نائم، لا إنّه بين غفوة سبات وسكرة الموت.. شهق فجأة، رفع رأسه،
أدار بصره في الحرفاء من حوله.. لا أحد التفت إليه.. ترامى البصر يبحث عن أحد
المعارف.. لا أحد من معارفه في القاعة.. أدخل يده إلى جيبه.. فارغ جيبه.. ابتسم..
قدره أن تخلو جيوبه من النّقود، وقدره أن يأتي كلّ مرّة إلى المقهى بجيوب فضفاضة
فارغة.. ضرب بكفّه على سطح الطّاولة ضربات خفيفة فقويّة.. لا أحد التفت إليه.. دسّ
يده في جيبه.. لا شيء غير بقايا سجائر.
صعد
على الكرسيّ ثمّ اعتلى الطّاولة، أدار نظره في من حوله، فكّ ربطة عنقه ورمى بها في
الممشى الضيّق.. ربطة عنق مزيّنة من أعلى إلى أسفل بصور متشابهات لخطّاف الرّبيع..
العينان محدّقتان في فضاء السّقف.
أخرج
يديه من كمّي القميص بصعوبة، قميص أبيض ناصع إلاّ الرّقبة فهي زرقاء في لون مياه
سبخة السّيجومي.. رمى بالقميص على الطّاولة المجاورة.. دفع بصدره إلى الأمام..
كومة كثيفة من الشّعر الأسود تفصل بين ثدييه - لا أدري هل يقال ثدي الرّجل أو لا
يقال - لا تهمّ المفردات فهي متحرّرة تعيد صياغة الأشكال والصّور على قدر ما في
الجيوب.
ساد
الصّمت.. رشق النّادل مرفقه في سطح الكونتوار وأبحر بنظره في الرّجل.. ساد
الصّمت.. لاعبو الورق ومستهلكو السّجائر ومستهلكو الشّاي الأخضر بالنّعناع
والممسكون بجبّاد النّارجيلة الّذين تيّبست أكفّهم على الجبّاد رفعوا رؤوسهم
ودقّقوا النّظر في الرّجل المتعرّي.
الرّجل
العاري الصّدر المتعرّي ارتجفت شفتاه بابتسامة لم تخفق لها قلوب الحرفاء.. تيبّست
شفتاه.. غارت الشّفتان وراء انتفاخ الوجنتين.
-
يلعن بو والدين والديّ.. أعلن لكم وأصرّح أنّني بحثت عن ملامحي، غصت في داخلي..
تحسّست رجولتي، وجدت جيبي فارغا.
بعض
الحاضرين قهقهوا بنبرات متشابهة وغير متشابهة.
رشق
يديه في خاصرتيه عاريا متعرّيا، ترامى إلى الوراء فتطاولت كومة الشّعر السّوداء في
وجه الروّاد.. تطاولت فتلألأت حبّات عرق كقطرات النّدى على حواشيها.. تمطّى إلى
الأمام ثمّ استوى بين حركتي المدّ والجزر.
-
سرقوا منّي كلّ شيء.. استيقظت فما وجدت شيئا.. بين يوم وليلة أصبحت بائسا منبوذا.
من
خلال بلّور نافذة معلّقة في الجدار تسلّل نور شمس غاربة غمر الفضاء تدريجيّا..
التفت الجميع نحو النّافذة.. انحنى العاري المتعرّي ومدّ بصره، بصرا متمرّدا متوحّشا..
الشّمس الغاربة سرقت منه انتباه الروّاد، وهجمة الضّوء المفاجئة انتزعت الابتسامة
الماكرة من الشّفاه، والضّحكة المارقة من ملء الأفواه والغمزات الهازئة المتبادلة
بين العيون.
سقط
من حرارة المشهد تسعة أعشار.
نزل
من فوق الطّاولة قدما بعد أخرى، حركة متثاقلة متكاسلة متأنّية كأنّما يستعدّ
للاستلقاء على الفراش.. لا أحد كلّف نفسه النّظر إليه.
العاري
المتعرّي.. تفاهة داخل قاعة المقهى.
دخل
رجلان وخرج ثلاثة.. أحد الروّاد ملّ الصّمت والكآبة وأشعّة الشّمس الغاربة الّتي
تتراقص على الوجوه والجدران والطّاولات وتترقرق على زجاج الكؤوس.. اتّجه إلى
الكونتوار وصاح في النّادل.
-
وزّع على الجميع كلّ ما يشتهون.. قهوة شايا، عصيرا ماء معدنيّا، قوارير جعة..
المعذرة المقهى لا حقّ لها في بيع الجعة.
اختطف
قارورة ماء صغيرة شربها دون توقّف، أمسك بقارورة أخرى ودسّها في جيب سرواله.. غادر
المقهى متأفّفا.
انسحب
ضوء الشّمس الغاربة تدريجيّا مجلّلا بسواد رماديّ.. حمرة داخل المقهى مائلة إلى
الصّفرة وسواد يعلو حواشي الفضاء وريح تعصف بأغصان الأشجار.. صفّ أشجار مورقة بلا
ثمار على امتداد الشّارع الكئيب.
انطفأ
النّور داخل المقهى ثمّ عاد مرتجفا مؤذنا بانقطاعات متكرّرة.
إحساس
بالبرد القارس ارتسم على الملامح.. رفع الجالس قرب النّافذة كتفيه وقرّبهما إلى
بعضهما حتّى لم تعد للرّقبة وجود.. الرّجل الجالس إلى جانبه قبض بأصابعه الخشنة
على طرفي سترته ولفّهما حول رأسه.. أصبح الرّجل كأنّه كيس إسمنت أفرغ ثلاثة
أعشاره.. متكّئ على جدار.. الجالس أمامهما التفت يمينا ويسارا، حدّق في زجاج
النّافذة، ضمّ جناحيه على الصّدار الصّوفيّ وأسقط ذقنه على ركبتيه.. حكّ أسنان
فكّه الأعلى على أسنان فكّه الأسفل فأحدث صريرا امتزج بصوت الماء المنسكب في
الكؤوس والصّحون فتحوّل إلى ما يشبه الأنين المتواصل.
انقطع
النّور.
تزحزح
ثلاثة حرفاء وغادروا المقهى دون أن يلتفتوا.. قفز النّادل ووقف في العتبة.. أدار
نظره يمينا ويسارا فما رأى غير أغصان تنتفض تحت وقع الرّيح الآتي من أطراف الأفق
تدفعه رؤوس الجبال من الغرب وأمواج البحر من الشّرق.
عاد
النّور إلى الارتعاش من جديد.
بين
قبس من نور مرتعش وحزمة ظلام سمعت شهقة تلو أخرى.. لا أحد من الروّاد شاهد صاحبها،
ولا صاحبها أعلن عن نفسه.. شهقة كصوت نشيج طفل حين يفصل عن صدر أمّه.
الشّهقة
ممتزجة برقصة الضّوء والظّلام وعزف الرّيح وشقشقة الكؤوس في حوض ماء الغسيل.
-
أوووف.. ما هذا القرف!
غادر
المقهى كيس الإسمنت الّذي أفرغ منه ثلاثة أعشار.. لا أحد شاهد ملامح وجهه ولا حتّى
ساقيه.. كيس إسمنت يسير على قدمين في حذاء مطّاطيّ.
قهقه
ملء شدقيه.
-
لقد غدروا بنا.. الكلّ غدر بنا.. مرّوا ظلالا كئيبة، طوائف من غيوم شاردة بلا
رطوبة، بروقا خلاّبة، ريحا صرصرا، شتاء بلا برد ولا مطر، صيفا بلا حرارة، خريفا
بلا ثمار، ربيعا بلا أزهار.
أسند
العاري المتعرّي ظهره على الحائط، لوى ساقا على ساق، أسقط رأسه على صدره، أطبق
جفونه على عينيه، نام.. نام وهو يكيل الشّتائم لنفسه ولوالديه وللّذين مرّوا تباعا
والّذين يستعدّون للمرور.
عبد
القادر بن الحاج نصر

تعليقات