رجل من بئر الحفي، محمّد الصّالح الجريدي
![]() |
محمّد الصّالح الجريدي |
كم آوت مدينة بئر الحفي واحتضنت منذ
أن كانت قرية صغيرة من وافدين عليها، أقاموا واستقرّوا فمنهم من أقام سنوات طويلة،
عمل فيها ثمّ عاد إلى مسقط رأسه أو إلى وجهة أخرى، ومنهم استطاب العيش فيها فسكنها
ولم يغادرها وأصبح واحدا من أهلها.. هناك من أتاها من قفصة، وهناك من جاءها من
صفاقس، وهناك من قدم إليها من جهة القصرين وهناك من أتاها من الجريد.
أحد هؤلاء البررة الّذين دخلوا بئر
الحفي واستوطنوها وأصبحت بالنّسبة إليهم المستقرّ الّذي لا بديل عنه، هو محمّد الصّالح
الجريدي.. قدم من الجر يد في سنّ مبكّرة وعمل فيها ولم يغادرها إلاّ إذا اشتاقت
نفسه لزيارة أهله في الجريد يوما أو يومين.
رجل لطيف ودود طيّب على ملامحه بشر
دائم.. اختار العمل في ميدان الذّهب والفضّة، وظلّ يشتغل فيه فلا أحد من أهالي بئر
الحفي لم يدخل دكّانه ولم يتعامل معه.. ولمّا انتقل إلى العمل في سيدي بوزيد ظلّ
مقيما في بئر الحفي مع أفراد عائلته.
كان يزورني في منزلي بين حين وآخر
كلّما عدت إلى بئر الحفي للإقامة أيّاما.. يزورني لا ليجلس أو ليتناول قهوة أو
شايا إنّما ليتعهّد النّخلة الّتي زرعتها في الحديقة.. يغدق عليّ نصائحه بشأن
رعاية النّخلة، ماء وسمادا وتشذيبا.. ثلاث سنوات متتاليات يأتيني بـ - الذكّار -
في موسمه ويرشدني إلى كيفيّة استعماله لكي لا تضيّع النّخلة تمر عراجينها.
كان يتجوّل في الحديقة ويتعجّب من
أشجار البرتقال المختلفة الّتي حفلت بها الحديقة.. يتعجّب من جمال أشجار البرتقال
وحكاية وجودها في حديقتي ببئر الحفي فكنت أقول له لقد حرصت على أن تكون في حديقتي
أهمّ الأشجار، البرتقال بمختلف أنواعه والعنب، وكذلك نخل الجريد وزيتون صفاقس ولوز
القيروان وتفّاح سبيبة.
أدعوه إلى الجلوس قليلا فيصرّ على
الذّهاب.
في الموسم الماضي لمّا رأى عراجين
الدّقلة فرح بها وأرشدني إلى طريقة حفظها بعد جنيها فالحفظ الجيّد يعطيها صحّة
وعافية وطراوة.
وكان ذلك كذلك.
عدت منذ أيّام إلى مدينتي ومدينته
بئر الحفي.. سألت عنه، طلبته بالهاتف، ألححت في السّؤال عنه مررت بمنزله، توقّفت
قليلا أمام بابه ثمّ انصرفت.
كان عليّ أن أنصرف.
محمّد الصّالح الجريدي ذهب ولن يعود
لكنّ منزله وأسرته باقيان يحملان أخلاقه وشهامته ومحبّته للنّاس جميعا.
ذهب محمّد الصّالح الجريدي كما ذهب
الكثيرون.. أمّا مدينة بئر الحفي فما انفكّت تكبر وتتمدّد وتزدهر وتستقبل الوافدين
من الشّرق والغرب إنّما كلّ ذلك في الفوضى.
عبد القادر بن الحاج نصر.

تعليقات