العابرون على الرّصيف
![]() |
إهداء بقلم الصّديق محمود وزوجته "دونيز" |
وأنا في غفلة من الأحداث هتف لي أحد العابرين مثلي.. أو لم تعلم أنّ محمود قد رحل.. بحثت عنه في طوايا الذّاكرة عبر زمن مضى، توقّف بي الخاطر على حافة رصيف أمام مقهى ذي واجهة زجاجيّة، التقطت أنفاسي دون أن ألتقطها، كنت أنا ومحمود ذات صباح متّجهين نحو السّربون الجديدة، فجأة أطلق قهقهة مدويّة.. ماذا لو انتظرتني ذات صباح أمام هذه المقهى ولم آت وذهبت وحدك وحيدا متوحّدا إلى رحاب السّربون.
****
صديقي محمود إلى أين هو ذاهب؟
أمس التقيته مسرعا على ناصية شارع
سان ميشال قادما من أحد منعطفات الحيّ اللاّتيني، العرق يتصبّب من جبينه، يلهج
بكلمات يضيع معناها في فضاء المسافة الّتي تفصل بيني وبينه.. لم يتوقّف، لم ينظر
إليّ، ابتعد ولم يلتفت، تبعته، حاولت اللّحاق به، هدّني التّعب.
صديقي محمود ترى إلى أين أنت ذاهب؟
كلّ محطّات الحيّ اللاّتيني مررنا
بها معا وكنّا نضحك ونمرح، كنّا نسرع السّير ونتمهّل، نتوقّف في فناء مقهى ونطلب
قهوة لكلّ منّا، نستنشق بخارها طويلا كأنّها آخر قهوة نحتسيها.
إنّه ليس محمود الأيام السّابقة
والزّمن الّذي مضى.
على الرّصيف وقد خلا من أغلب المارّة
حقيبتان متساويتان عرضا وطولا، ضخمتان تبدو عليهما شيخوخة مبكّرة، جاثمتان
تنتظران.
محمود ذلك الرّجل الشّاب المتوثّب
صاحب الابتسامة الصّافية، أراه كلّ صباح يقفز من رصيف إلى آخر حاملا محفظته
الجلديّة المحشوّة بأشعار صعاليك الجاهليّة ومقتطفات من نصوص أغاني الغجر وحكايات
ألف ليلة وليلة.
كم شاهدته خلال الأيّام الأخيرة، في
الصّباحات الباكرة وهو جالس على حافة نهر السّان ممسكا بكتاب "ألف ليلة
وليلة" يورّقه، يتصفّح الرّسوم والحروف ورقة بعد أخرى، يمزّق ورقة بلطف شديد
يرفعها قليلا، يضعها بينه وبين أشعّة الشّمس، يطويها ثمّ ينشرها ويطويها ليعيد
نشرها ويرمي بها أخيرا في اتّجاه الماء المتدفّق، يتمتم، أسمع تمتمته جيّدا:
«سيلتقطك بعض المارّة من فوق سطح
الماء، يقرأ فيك حكاية - الحمّال والبنات السّبع - فترتجف شفتاه ويسيل لعابه،
ينتفض من أعلى رأسه حتّى قدمه.»
أشاهد محمود، وقد أتمّ طقوسه أو
أتخيّل أنّه أتمّ الطّقوس على حافة النّهر، يطوي أوراقه ويعيدها إلى المحفظة
الجلديّة وينهض خفيفا، يلتفت على عجل، يسير بخطى الصّيّادين، يبتسم، يمسك بذراعي
ويدفعني بقوّة:
«إلى السّربون الجديدة.. أسرع حتّى
لا يفوتنا درس الأستاذ أندري ميكال، أريد أن أدرك معنى أشعار بدر شاكر السيّاب من
وجهة نظر هذا المستشرق المفتون بأدب العرب.»
يظلّ محمود ممسكا بذراعي، يدفعني
بعنف حتّى أرتطم بحاشية الرّصيف فيرفع رأسه عاليا ويقهقه.
أذهلني منظر الحقيبتين الرّابضتين
على الرّصيف.. السّائرون على الأقدام يمرّون لا شيء يستوقفهم، حتّى الورقتان
الصّغيرتان اللّتان ألصقتا على ظهر كلّ حقيبة لا تستقطبان اهتمامهم.. الورقة
الأولى رسم عليها بأحرف غليظة اِسم محمود فرج، والثّانية دونيز فرج.
ترى أين هي دونيز.. كيف يخرج محمود
بحقيبتين من الشّقة الّتي تأويهما ولا ترافقه.. استطابت النّوم، استطابت دفء
الغطاء القطنيّ إذ البرد يجثم على الدّنيا ويتسرّب داخل الغرف.. بين البرد ودونيز
غطاء قطنيّ، وبين دونيز ومحمود الّذي تسلّل على ضوء السّهارة وفتح الباب دون أن
يحدث صوتا مسافة الطّرقات ذات الإسفلت الأسود والأبنية العالية وأسطول السيّارات
الّتي تزحف متلاحقة متلاصقة.
نامت دونيز هذا الصّباح وارتمى محمود
في الفضاء الخارجيّ حاملا الحقيبتين، ولمّا نزّ العرق حتّى اغتسلت به أطرافه، لمّا
أصبح العرق بركة ماء تحمّم داخلها، ولمّا أحسّ أنّ المسافة قد انتصفت بين كليّة
السّربون الجديدة والشّقّة الصّغيرة أنزل الحقيبتين على الرّصيف.
(2)
وقفت على بعد خطوات من مجلس محمود
على حاشية نهر السّان.. لم يأت هذا الصّباح مكانه بقي شاغرا.. بعض الطّيور تمرّ
مصوّبة مناقيرها نحو الزّبد الأبيض.. بعض السّفن الصّغيرة تشقّ مياه النّهر.. بعض
الغيمات تتلاحق في اتّجاه الأفق البعيد.. بعض المتسكّعين يسيرون بخطى ثقيلة
والملامح مثقلة بهموم اليوم الّذي مضى واليوم الآتي.. بعض الإسفلت مبلّل.. بعض
الزّبد يرتجف على ضفاف النّهر لكنّ محمود غائب، هل أبطأ في الوصول، هل تأخّر عمدا،
هل استوقفته حادثة، هل أرسى الحقيبتين على الرّصيف فأخذته غفوة من نعاس فالتفّ في
معطفه الصوفيّ ونام.. نام في إحدى الزّوايا ولم يفتح عينيه.
كلّما مدّت لي دونيز كأس الحليب
الدّافئ ذاك الّذي لم أذق في حياتي ألذّ منه، قالت لي محمود ليس ككلّ الرّجال، حتّى
الآن بعد عشرين سنة زواجا لم أمسك به، لم أحدّ من اندفاعه.. رغم حضنه الدّافئ
وأنفاسه الحارّة، رغم رجولته وحنانه وغيرته لم آخذه إليّ كما أريد، ولم نمش في
طريق واحدة.. لمحمود جناحان أشدّ من أجنحة النّسور، له مساربه توصله إلى الهدف
المرسوم في خياله، يجرّني وراءه وأنا كارهة السّير في المناطق الوعرة لكنّني في
نهاية الأمر أجد نفسي أشمّ رائحة أحلى الزّهور، محاطة ببتلات الخزامى والورد
والياسمين، أتنفّس رائحة الغابات والجبال العالية.. ساعتها فقط أضمّ محمود إلى
صدري حتّى أشعر به ينغرز في داخلي لكنّه سرعان ما يختفي.. إنّ له هدفا يسعى إليه،
يركض وراءه بكلّ قوّة، قد يغرق في العرق، قد تتخبّط قدماه في طين السّباخ لكنّه
يظلّ هناك بعيدا عنّي مندفعا نحو نقطة محدّدة في المدى.
هممت بأن ألتقط الحقيبتين ولم أفعل،
خفت، شعور غامض حال بيني وبينهما، بيني وبين محمود لا أدري كم من ميل، وبين محمود
ودونيز مسافة الزّمن الّذي بدأ ولم ينته، وبيني وبين دونيز حقيبتان لا أستطيع أن
أحملهما لأنّني لا أستطيع أن أتحمّل ثقلهما مثل محمود فهما في ثقل الجبال.
المارّة يحيطون بهما يتكاثرون
يزدحمون يتراصّون على الرّصيف.
بكيت محمود.. الدّموع تنزل على
الخدّين حارّة والقلب يشتعل حزنا.. أردت أن أنادي بأعلى صوتي لعلّه ينتبه إليّ،
لعلّ صدى صوتي يطرق وجدانه فقد كنت وإيّاه كيانا واحدا.
عدت أجرّ الخطى جرّا، أرصفة الحيّ
اللاّتيني لا تعيرني اهتماما.. ما أغرب هذه اللّحظة.. كانت الأرصفة ترحّب بنا
عندما كنّا نسير معا نحو السّربون الجديدة.. رائحة ماء المطر على الإسفلت، ورائحة
أوراق الشّجر ودخان العربات وعطور السيّدات المتأنّقات الذاّهبات إلى أعمالهنّ.
استقبلتني دونيز في باب الشقّة:
- هل رأيت محمود؟
أضعت القدرة على الكلام فأعادت
السّؤال بصيغة أخرى:
- هل فعلتها كما فعلتها دائما؟
تتخلّى عنه في منتصف الطّريق وتأتي طارقا الباب كالمعتوه!
أدرت نظري في فضاء الشقّة الصّغيرة..
الرّواق فارغ، خزانة الأحذية فارغة.. لا شكّ أنّه حشر كلّ أحذيته في الحقيبتين..
المشجب الّذي يعلّق عليه معطفه اختفى والمعطف كذلك.. كنت أدور ببصري، وكان نظر
دونيز يتنقّل حيثما يحطّ نظري.. أقمصته، بنطلونه، جواربه، قفّازاته، كشكوله
الأزرق، قوارير عطره وموسى الحلاقة والصّابون وأوراقه وكتبه الّتي يحبّها وأقلامه.
حدّقت فيّ ثمّ في الفراغ، دفعتني
بكلتا يديها وأسرعت إلى الخارج.. هاربة! لا أدري أهي تقتفي أثر محمود أم تركض وراء
شيء آخر.. قد تقف على حافة نهر السّان تسأل أصحاب القوارب والسّفن الصّغيرة
والمتسكّعين والسّكارى والنّائمين في العراء عن محمود.
****
بعد أيّام، بعد أشهر لا أدري، وقفت
عند الباب أنادي محمود ولمّا لم يجبني ناديت دونيز.. جاءني صوتها ضعيفا لكنّه دافئ
رقيق كما عهدته: «ادخل.»
دفعت الباب وتسمّرت في المكان..
حقيبة واحدة تتوسّد حائط الرّواق الصّغير، حقيبة واحدة! تراجعت وضعت رأسي بين
يديّ، ركضت واختفيت في زحمة العابرين على أرصفة الحيّ اللاّتينيّ.
![]() |
كتاب من إهداء الصّديق محمود |
عبد القادر بن الحاج نصر
أوت 2020
.jpg)
.jpg)
تعليقات