زمن أعقاب السّجائر

زمن أعقاب السّجائر

 

جالس عمران على عتبة دار أبيه.. خرابة من عهد العائلة الحسينيّة ورثها أبوه عن جدّه، وورثها على ما يبدو جدّه عن أبيه.. العتبة متشقّقة، تحتها ينسكب ماء جار لا ينقطع له رائحة تعوّد عليها عمران كما يتعوّد الرّعاة على رائحة الزّريبة والّد الرّعاة على رائحة الزّريبة والإسطبل.

دار منحشرة في إحدى ضواحي العاصمة في حيّ مهمّش.. ولد فيها ومشى في فنائها خطواته الأولى.. تعلّم بعض سور القرآن عند مؤدّب الحيّ.. سار مستويا ومتعثّرا فمستويا، متطلّعا يهفو إلى أن يمسك بخيوط القمر ويصعد حتّى يتجاوز الكواكب ويتّخذ مجلسا عند درب التّبّانة.

نطّ كأنّه قطّ اسود.

قفز لمّا رأى أحد معارفه يسير على مهل واضعا يده في جيب معطفه.

استوقفه فتوقّف والتفت إليه.. حدّق فيه ثمّ ابتسم.

- يا عمران، يا عمران، يا سي عمران!

- آش طالب؟

- نشوف فيك تايه، دايخ تتكلّم وحدك.

- علاش لا؟ ما دام ما لقيت حدّ يسمعني.

- يا حسرة على أيّام زمان النّاس ما كانوش ينفّسوك لحظة.

- طمّاعة.

- يحبّوك.

- منافقين.

- البعض منهم نعرفو باهي.

- الباهي فيهم أسقط عباد ربّي.

- سلّفتهم وما خلّصوكش؟

- سلّفتهم؟ لاه عملو عليّا مزيّه؟

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- مستغرب؟

- حالك اليوم ما يعجبش.

- تنجّم تخلّص عليّا قهوة؟

- طبعا انّجّم، أما لا.

- علاه؟

- عيب يقولو سي عمران وما أدراك يخلّص عليه قهوة موظّف بسيط كان يخدم عندو.

- خلّص وما يهمّك في حدّ.. يقولو اللّي يقولو هذيكة صنعتهم.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- شبيك تغوّث؟

- راك كنت بيّ في زمانك.

-  كنت؟ محسوب أنا الوحيد اللّي كنت بيّ في زماني؟

- تتذكّر يا حسره.. النّاس يبدو يستنّو فيك في قاعة الانتظار أكداس.

- كانو.

- أما إنت كنت باهي، رجّال، ولد أصل.. اللّي طالب قرض تصحّحلو في الأوراق في رمشة عين.

- مستغرب؟ هذاكه واجب.

- واجب! أما بعد ما يحكّ أجنابو - يكسكي - بالعربي يدفع.

- حقّي، تعبي، عرق جبيني.

- كانت عندك شهريّة وحوافز وكرهبة ودار وغيرو وغيرو.

- كلّو على بعضو ما تجيش تفتوفة.. أففف نفخه وحده وكلّ شيّ يطير.

- نفخه وحده يا سي عمران! فيلاّ، قصر بايات، وجنينه واسعه وعريضه فيها الرّمّان والتّفّاح والعنب والأنجاص وحبّ الملوك والبوصاع والمشماش والكرم أنواع - بالعربي التّين - ويجوك الجنّانه يخدمو، وعندك العسّاسه يعسّو والبونيشات - بالعربي المعينات - ينظّفو - بالدّارجة يكنسو- ويسقيو ويرشّو المبيدات الحشريّه، ناموسه وحده لا، ذبّانه لا، خنفوس يدبي لا، فرزيط -بالعربي الصّرّار - لا، كرهبة نوع، وكرهبه نوع آخر، وكرهبه نوع ثالث، وشيفور -بالعربي سائق - طويل، وشيفور قصير وشيفور لا طويل لا قصير، وكلاب عسّه، وكاميراوات.. شكون يقرب؟

- كنت وكان.

- - يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- حرام عليك تغوّث عليّا كالدّرويش.

- مستعجب في الدّنيا.

- ما تشيّحليش ريقي.. باش تخلّص عليّا قهوه والاّ نمشي؟

- نخلّص علاش لا؟ أما قلّي هاك الهيلمان وين مشى؟

- خدمت، سهرت اللّيالي، شطر المسؤولين يخدمو في ديارهم بالتّلفون، ويستنّوهم بالصّفّ في باب الجنينه.. كلّ شيّ من غادي لغادي.. أنا حرقت جاشي وجواجيّه بالخدمة والدّهك.. خوك، ليل ونهار، آخر شي ماك عارف طلّعوني سارق ومرتشي وواكل فلوس الدّولة ومال الشّعب.. تصوّر، ماك عارف من غير ما نذكّرك.. عملولي تسجيلات.. كما لقاو شيّ زرعو كاميراوات.. كما لقاو شي زوّرو التّسجيلات.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- هكذا هم لا يرحمون ولا يتركون رحمة الله تنزل على عباده - نكلّمك بالعربي الفصيح - جحود ونكران جميل وخبث وتآمر.. متخصّصون في غرز السّكاكين في الظّهور، يعضّون اليد الّتي امتدّت إليهم بالإحسان.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- أنت تعرف أنّني لا أنسى أنّك كنت تعمل في مكتب الضّبط، مصلحة الواردات والصّادرات، ثمّ انتقلت إلى المصلحة الفنّيّة، قسم التّصوير الفوتوغرافيّ والتّسجيلات، التّصوير عن قرب والتّسجيل عن بعد.. أتذكر أنّك كنت الوحيد الّذي لم يتقدّم بطلب قرض.. لقد استغربت تصرّفك ذلك يا ابن بلدي.. أتذكّر أنّهم كانوا ينادونك يا ابن بلدي فما أدري هل هو اسمك الحقيقيّ أم كنية.. - أقول لك بالعربيّ الفصيح - استغربت لمّا طلبتك للشّهادة، والشّهادة من الدّين، وحسب ما أسعفتني الذّاكرة فقد كنت ميّالا للتّديّن والتّعفّف وما أدري هل أنت كذلك.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- لمّا دعوتك للشّهادة أنكرت أن يكون هناك تزوير.. ترى لماذا فعلت ذلك وقد كنت أنتظر أن تقف إلى جانبي وتضع الأمور في نصابها مثلما كان يفعل معي الآخرون وأفعل معهم.. أعتقد أنّك كنت على درجة من البلاهة.. ألا توافقني؟ - أعتذر إن خاطبتك بالعربيّ الفصيح - كنت خارج الزّمن بينما كنت ستأخذ نصيبك وافرا.. همست لك قبل أيّام من بداية التّحقيق.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- حالك حال يا ابن بلدي.. حالك مزرية منذ أن عرفتك.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- لا يهمّ، الّذي فات مات، أنا الآن في حاجة إلى قهوة وقارورة ماء.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران! اعتبر القهوة خالصة وكذلك قارورة الماء.

- الّذين دخلوا مكتبي وأمضيت لهم.. الّذين ابتسموا لي فابتسمت لهم.. الّذين قضوا حاجاتهم وقضيت حاجاتي انتقلوا -وأنت تعرف -من الأحياء القصديريّة إلى مناطق العزّ المنازه والمنار والمرسى وقرطاج وسيدي بوسعيد.. اقتنوا السّيّارات الفخمة وقضوا عطلهم على ضفاف الشّواطئ الجميلة.. ترى هل أمطرت عليهم السّماء فجأة؟

- لا.. واضح.. أنت الّذي أمطرت.

- لم لا؟ وهل انقطع الخير في الدّنيا؟ كان عليّ أن أمطر.

- والمطر عمّ الجميع.

- أمطروا فأمطرنا.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- بربّك.. هل من العدل أن يصادروا كلّ أملاكي؟ حتّى السّيّارات، حتّى الخدم، حتّى الحديقة، ألا توجد ديمقراطيّة في هذه البلاد؟

- لا تتحامل على البلاد.. توجد ديمقراطيّة كافية لخنق الّذين أدخلوا رؤوسهم في الخزائن واستقاتوا حتّى انتفخت كروشهم.

- أراك تتمنّع كي لا تدفع ثمن قهوة.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- لماذا بربّك طالتني التّتبّعات أنا فقط؟ والآخرون الّذين تدافعوا على باب مكتبي ويسّرت لهم مطالبهم؟

- لوجه الله يا عمران؟

- نعم.. لم أتسلّم رشوة واحدة من مرتش إنّما أخذت ثمن أتعابي.. لا رشاوى ولا إكراميّات.. هل كان عليّ أن أطرد من يقف على باب داري.. هل هذا منن شيم العرب؟ من أخلاق المسلمين؟ غريب! أليس الجهل مصيبة؟

- زوجتك! أعرفها سيّدة عظيمة.. لم أعد أراها معك.

- بيني وبينها وثيقة طلاق.

- أنت الّذي طلّقتها؟

- آسف، هي الّتي طلبت الطّلاق.

- بالتّراضي؟

- نعم بالتّراضي.. منذ بدأت الإشاعات تنتشر في المحيط.. كان طلاقا بالتّراضي حتّى لا نفرّط في كلّ شيء.. الخائنة.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- الغادرة.

- يقال إنّها تزوّجت يوم الإعلان عن حبسك خمش سنوات.

- السّافلة.

- يقال إنّها أقامت حفلا رهيبا.. هل أعطتك شيئا ممّا أخذت.. ممّا أخذت أنت من بيت مال المواطنين؟

- لا تذكّرني.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- أرجوك.. قهوة وقارورة ماء وعلبة سجائر.

- من حقّك عليّ ذلك.. ألم أكن أحد منظوريك؟

- وكنتت قادرا على أن تخرجني من القضيّة كما تخرج الشّعرة من العجين، وكنت سأجعلك ترقص فوق الأوراق الماليّة، وكنت ستقتني منزلا في ضاحية قمّرت أو المرسة أو المنازه كما اقتنوا، وكنت ستسافر بالطّائرة إلى إسطنبول كما سافروا، وكنت ستشقّ طرقات البلاد وراء مقود سيّارة يابانيّة فخمة وكنت سترافق زوجتك إلى المراقص كما فعلوا ويفعلون.. المعذرة حين أنعتك بالبهيمة فانت فعلا بهيمة.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- يا ولد بلادي البهيمة.

- ههه.. كنت سأقف مثلك ومثلهم أمام المحقّقين ساعات طويلة، وسأقضي أيذاما وليالي في غرفة الإيقاف، ويوم أضع قدمي على عتبة السّجن نزيلا معزّزا مكرّما تحتفل زوجتي بالطّلاق منّي وبالزّواح ممّن كانت تنظر إليه خلسة.

- غبيّ.. لا شيء كان سيحد لك.. كنت ستصبح من أعيان المدينة.. أما رأيت الّذين توافدوا على بابي، لمّا سألوني عنهم أنكرت وقد وعدني كلّهم خيرا.. وعدوني نصيبا ممّا أخذوا منّي.. وضعت يدي اليمنى على المصحف الشّريف وأقسمت أنّهم لم يسلّموني درهما واحدا.

- يا عمران يا عمران، يا سي عمران!

- كنت طامعا.. من حقّي أن أكون طامعا فالمال يا ابن بلدي، أنت لا تعرف طعم المال ولا رائحته إلاّ مرتّبك الزّهيد.. أنت كنت طامعا في أن آخذ منهم بقدر ما أخذوا منّي، وطامعا في أن يعفو الله عني.. أليس الله رحيما بعباده يا ابن بلدي؟

- كم ثمن القهوة وقارورة الماء وعلبة السّجائر يا عمران؟

- لا أدري.

- ما السّجائر الّتي تدخّن؟

- مارلبورو.

- يا حسرة على أيّام زمان يا عمران.. أنت الآن في زمن أعقاب السّجائر، لكن لا بأس.

أدخل ابن طاهر يده إلى جيبه، أخرج قطع نقود متفرّقة، بيضاء لامعة من فئة الدّينار والدّينارين ووضعها في كفّ عمران.

- خذ يا عمران والعوض على الله.

أدار ابن طاهر وجهه وانصرف مبتعدا.

عدّ عمران القطع النّقديّة ثمّ أعاد العدّ.

«خاطبتهم بالدّارجة الفصيحة فلم يفهموا، تحدّثت إليهم بالفصحى الدّارجة فما استقاموا.. ضحكت وواصلت طريقي، لا حاجة لي عندهم سوى ثمن قهوة وقارورة ماء وعلبة سجائر.»

نظر إلى ابن طاهر يسير مبتعدا رافعا رأسه لا يلتفت يمينا ولا يسارا.

- بهيمة.. قلت له إنّه بهيمة فلم يصدّق.. قد يكون استوعب معنى الكلام أو لم يستوعب لكنّه والله بهيمة وسيظلّ بهيمة.. أقسم على المصحف الشّريف أنّه بهيمة هذا العصر ومثله كثير.. اللهمّ كثّر من هذا الرّهط كي نحصل على ثمن قهوة وقارورة ماء بارد وعلبة سجائر.

 عبد القادر بن الحاج نصر

2024

 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد