مخدّة أبي (الجزء الأخير)

قصّة: مخدّة أبي 
لـــ : عبد القادر بن الحاج نصر
(الجزء الرّابع/ الأخير)
 

أتاه خبر أنّ أحزمة النّار تحيط بالأحياء تحرق من فيها وما فيها فانبسطت ملامحه.

«وماذا بعد؟ طزّ.»

سمع أنّ الرّجال والنّساء يتدافعون على الطّرقات.. الأطفال على ظهور الأمّهات وعلى أكتاف الآباء، يصرخون ويتألّمون.. حرّك رأسه الثّقيل يمينا ويسارا.

«وماذا بعد؟ طزّ.»

علم أنّ القنابل تلاحق الهاربين من الشّمال إلى الجنوب ومن لا مكان إلى لا مكان فتبسّم.

«وماذا بعد؟ طزّ.»

سمع أن لا وقت حتّى لإكرام الموتى.. هزّ كتفيه.

«وماذا بعد؟ طزّ.»

رووا له أنّ صبيّة، زهرة تمدّ بتلاتها نحو الضّوء، عيناها سوداوان، شعرها في سواد سنابل القمح، بقيت مهملة على الطّريق.. أخذت تخربش الأرض بأظافرها، تهيّء قبرا لعصفورة لا تمتلك ريشا ولا أجنحة وأنّ دموعها تجمّدت على خدّيها وهي تواصل الحفر.. لوى شفتيه.

«وماذا بعد؟ طزّ.»

*****

انتهت الرّحلة فما على العصفورة إلاّ أن تستريح.. استلقت على ظهرها داخل الحفرة.. ألقت نظرة على السّماء.. بحثت عن ظلال الأب والأمّ والأخ والأخت فلم تظفر بشيء.. أغمضت عينيها.. رفّت شفتاها بأغنية لقّنها لهم أبوها يردّدونها كلّما اجتمعوا حول مائدة الأكل.

«أصبح عندي الآن بندقيّة

إلى فلسطين خذوني معكم.»

*****

عاد خادم الكنيس إلى الإرساليّة يتلوها بصوت منخفض ثمّ بصوت مرتفع.. تكوّر في المقعد حتّى أصبح مثل كرة حديديّة.

«عليك أيّها الحيوان الّذي لا يشبه البشر أن توجّه إدانة قويّة لأبنائك الحيوانات الّذين لا يشبهون البشر، إدانة قويّة مزلزلة يتردّد صداها في كلّ مكان، وإلاّ - يقول لك سيّدك - وحقّ يهودا والسّامرة لنجلدنّك ثمّ لنذبحنّك ولنروي بدمك تراب يهودا والسّامرة.. تذكّر أيّها الحيوان الّذي لا يشبه البشر كلّ المآكل الّتي أكلت والشراب الّذي شربت والأحذية الّتي لبست وخلعت والسراويل والقمصان والمعاطف وخزائن المال.. تذكّر الجميلات اللاّتي تركن عطرهنّ على وسادتك إلى أن سكنت غريزتك، وبحثت عن رجولتك فلم تجدها.»

*****

غادرت الشّاطئ تحمل قميصا بين يديها، تتشمّمه حينا وتمسح به الدّموع حينا آخر، ومع القميص تحمل أثقالا وأثقالا.. للقدم الغائصة في الرّمل أثر سيمتدّ من القارب حتّى باب المنزل فلا يضيع القارب ولا يضيع الباب الّذي يفتح على الفناء، والفناء الّذي يفتح على غرفة النّوم.. الصّبية الّذين تتشارك رؤوسهم المخدّة يحلمون بالسّمك.

مِن يدها تتدلّى سلّة شطرها فارغ والشّطر الآخر مملوء بالسّمك.. رائحة السّمك تنتشر في الفضاء ممزوجة برائحة دخان القنابل والموت.. السّمك متعفّن ككلّ الأجساد الملقاة بين الأنقاض وعلى حواشي الطّرقات، ورائحة متخيّلة تحملها ريح طيّبة تطرد ما قبلها وما بعدها.

أنفها لا يستقبل إلاّ روائح الفردوس.. السّمك شرب رائحته والأجساد حفظها التّراب والأنقاض.. السّمك فاتح عيونه الزّجاجيّة لا يحرّك ساكنا، كره البحر، أمواجَه وأعماقه، فانكفأ داخل نفسه يتابع، وهو يتدلّى، خطوات المرأة الّتي لا تشبه الخطوات.

بطيء سيرها، بطيئة دقّات قلبها، ثقيلة أحاسيسها بما حولها إلاّ ارتعاشة على الشّفتين لا تهدأ، إلاّ حركة عينين تتقلّب كما يتقلّب السّمك في المقلاة.

قصرت المسافة بينها وبين المنزل حتّى كادت تتلاشى.. التفتت إلى الوراء تحدّق في الأثر الّذي رسمته الأقدام.. تلاشى البحر وزبده.. هل عاد القارب إلى البحر يبحث عن البحّار؟ هل البحّار يجدّف بيديه وذراعيه يغالب الموج ليدرك القارب؟

غاب القمر، غاب البحّار، عائدة إلى الصّبية وحيدة تحمل أثقالها وأثقالا فوق الأثقال.. ابتلع البحر سيّده خوفا عليه من هول الأيّام وأهدى الصّبية أسماكا نافقة ذات عيون زجاجيّة.

هكذا نصيبهم ونصيبها من الدّنيا.

خطوات معدودة.. لم تر المنزل.. هل نفقت ذاكرتها كما نفقت الأسماك؟ هل أضاعت الطّريق أم أضاعتها؟ لولا الفاجعة لابتسمت ساخرة.

حدّقت، ركّزت النّظر.. لا شكّ أنّ المنزل هناك بينها وبينه خطوات معدودة.. الباب ذو الحلقة الحديديّة لا يغيب عن الذّاكرة.. هل نسيت منزلها، الواجهة، وواجهات منازل الجيران؟

غابت المنازل وبقيت الواجهات في الذّاكرة.

من سيتحلّق حول الأسماك؟ هل لأنّها نافقة متعفّنة غابت الأبواب والجدران؟

جلست على ركبتيها ووضعت السلّة أمامها.

شاهدت القطّة خارجة من تحت الأنقاض لا تدري عمّا تبحث.. الصّبية تلذّذوا النّوم تحت الأنقاض.. ناموا على أصوات الموسيقى الصّاخبة الّتي ألّفتها وعزفتها فرق الموت.

جلست المرأة على ركبتيها بينما قرفصت القطّة تنظر إليها بعينين زجاجيّتين والأسماك في السلّة بينهما.

انتهت

عبد القادر بن الحاج نصر

لقراءة الجزء الأوّل اضغط هنا

مخدّة أبي (الجزء 1)

لقراءة الجزء الثّاني اضغط هنا 

مخدّة أبي (الجزء 2)

لقراءة الجزء الثّالث اضغط هنا 

مخدّة أبي (الجزء 3)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد