مخدّة أبي (الجزء الأوّل)

قصّة: مخدّة أبي 
لـــ : عبد القادر بن الحاج نصر
(الجزء الأوّل)


استقطب انتباه خادم الكنيس البياض النّاصع في الجدار.. بياض تتوسّطه لوحة ذات ألوان حمراء قانية تنزل من الأعلى خيوطا أشدّ احمرارا تذوب في أرضيّة دخانيّة.. تذكّر أمّه.. كان صغيرا في حجم إصبع يدها الصّغير أو إصبع قدمها.. صورة لا ترحل عن ذاكرته.

سقطت الأمّ على ركبتيها، افترشت الأرض الرّماديّة المزروعة بالأشواك، جحظت عيناها، فتحت فمها فسال دم أحمر قان على ملاءتها البيضاء أسلاكا متعامدة شربها النّسيج وبقي الأثر في لون زهرة شقائق النعمان.

أحمر قان على جدار أبيض ناصع.

دم أحمر قان في لون زهرة شقائق النّعمان على ملاءة بيضاء ناصعة البياض.

تمازجت الألوان، لون الدّم وطبقة الجدار البيضاء وملاءة بيضاء جرى على نسيجها سائل أحمر قان.. شقاق النّعمان متفتّحة وشمس الصّباح تشرق على طوائف الرّاحلين الهاربين المطاردين من عسكر الهاڤانا.. تمدّدت الأمّ ولم تنهض.

تجمّد الدّم بين حافتي الشفتين وحافتي الذّقن وعلى الملاءة.. ترقّب الطّفل أن تنهض الأمّ فلم تحرّك ساكنا.. جاست أصابعه في جيب فستانها، أخرج النّقود، دسّها في جيبه وجرى وسط القافلة.. نسي المشهد سريعا.. غرق في الواقع.. الماضي مضى، والحاضر في لون الورد والمستقبل في طعم العسل.

اليوم.. وهو يحدّق في الحائط انبثق في خاطره مشهد الأجساد الملقاة على قارعة الطّريق وفي ساحات البيوت وتحت الأنقاض.

لا بدّ من كفن.

لو أنصفه الواقع لانتظر بجانب أمّه حتّى يلفّها المحسنون في كفن ويوارونها التّراب.. انسحب لأنّه كان صغيرا خائفا مرعوبا همّه أن يسابق الزّمن ويبتعد عن دائرة الرّصاص والدّخان والجثامين المكدّسة في العراء.

«الكفن! مئات الأكفان آلافها.. هناك وراء الغلاف أبناء العشيرة يتساقطون في البيوت وخارجها كأوراق الخريف.. لا بدّ من كفن.»

سيكفّر عن ذنبه وقد حان الوقت.

رفع سمّاعة الهاتف.

- الرّجال والنّساء، الأطفال، بنات وبنين، حتّى الخدّج يحتاجون أكفانا بيضاء، يلفّون فيها أطرافهم ويسترون عوراتهم.. لن نختلف على الثّمن فأنت تاجر وأنا كذلك.. تسأل عن عدد الأكفان؟ بلا عدّ.. المهمّ أن تؤمّن البضاعة سريعا عبر البرّ أو البحر وأن يكتب على كلّ كفن "هديّة من خادم الكنيس".. نعم هكذا.

أعاد سمّاعة الهاتف إلى موضعها.

ابتسم لمّا عكست المرآة ملامح وجهه، رغم الحلاقة والدّهون والعطور بدت متغضّنة، متخشّبة، متيبّسة، متهدّلة كملامح مومس عجوز.

«هل كان بإمكانه أن لا يتلوّن ويتشيّك كلّما ناداه سيّد الكنيس.. اليوم لم يعد لديه شيء يخفيه.. باع واشترى في كلّ شيء.. في أيّ شيء.. العمالة، المواقف، الوطن، المقدّسات، الآثار.. أقنع نفسه أنّ الخيانة واجب مادامت روحه متعطّشة إلى الدّنيا.»

«بُلهاء، ملعونون أشعلوا حريقا رغم أنّي قلت لهم منذ زمن طويل.. كلوا واشربوا والتزموا الصّمت مثلي.. رفضوا.. قلت لهم إذن العدوّ أمامكم محيط بكم وأنا وراءكم، والعمّ يملأ سماءكم وبحركم.»

*****

ماءت القطّة وتكوّرت على نفسها.. وماذا بعد؟ وقف البحّار على حافة البحر، دفع بقاربه نحو الماء.

ركب القارب وضرب بالمجداف يمينا ويسارا.. ستلتقط الشّباك نصيبا من الأسماك فيسرع بالعودة إلى المنزل.. سيشتعل الموقد ويدور الصّغار وأمّهم حول المقلاة يراقبون السّمك ينتفض في الزّيت والعيون تدور في المحاجر، والألسن تتمسّح على الشّفاه.

«يا ربّ.. إنّك القاهر فوق عبادك.. اجعل بين القارب وبينهم سدّا فلا يبصرون.»

بين موجتين ورمال الشّاطئ على بعد رمشة عين انطلق الرّصاص وتوالت الطّلقات.

«الموت في حضن البيت أفضل من الموت برصاص الأعداء بين أمواج البحر.»

رمى بنفسه في الماء وعاد إلى الشاطئ زاحفا على يديه ورجليه.

«سأحتضنهم واحدا واحدا، أقبّلهم بحرارة الوداع.»

حانت منه التفاتة.. رأى القارب ينتفض في مكانه بين الأمواج.

التفاتة أخرى.

طلقة فوق رأسه أعقبتها أخرى.. تمدّد على الرّمال واستسلم للصّمت والسّكون.

الشّمس! لا شمس.. الهواء! لا هواء.. ألسنة من دخان تتصاعد نحو السّماء.. رفع رأسه.

«هل أعود هكذا بلا سمك، بلا سلال، بلا ابتسامة؟»

«بيني وبينك يا خادم الكنيس عويل النّساء وبكاء الأطفال ودم الشّهداء.»

تخيّل البحّار "سعيد" ابنه يتعلّق برقبته، يدور حوله ويرتمي في حضنه.. تخيّل نفسه يفتعل ابتسامة عريضة.

- كيف حال القطّة؟

- تموء مواءً حادّا متقطّعا.

- هل داعبتها كعادتك ومسحت بكفّك على شعرها النّاعم.. هل ضممتها إلى صدرك؟

- اقتربت منها فهربت ولاذت بحاشية الباب.. ماءت ومدّت رقبتها وأغمضت عينيها.

- هل عرفت ما بها؟

- نعم.. جائعة، تنتظر عودتك لتقفز على السلّة وتختطف سمكتها المحبّبة.

أطلق البحّار تنهيدة وضرب بجبينه على كدس الرّمال.

****

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد