قصّة: زمن خالتك عزيزة (4)، الجزء الأخير

قصّة:
زمن خالتك عزيزة (4)


      
اغتسلت خالتك عزيزة، تطهّرت من رجس الشّيطان، أدّت صلاة العصر، مالت على قفّتها وانصرفت خفيفة مرفرفة كطائر الخطّاف.

       أزمان تروح وأزمان تأتي.. الأرصفة تستقبل المارّة على اختلاف درجاتهم.. الكلّ يجد متّسعا من فضاء يسير فيه دون أن يصطدم بالآخرين.

       حلوة أيّام السّتّينات والسّبعينات.

       الشّمس تشرق على الآفاق ثمّ يعييها المسير فتنسحب أمام هجمة الظّلام، النّاس يأوون إلى بيوتهم، الأبواب تغلق وفوانيس الأنهج والسّاحات توقد تباعا.

       الطّيور تسكن إلى أشجارها.

        تضع خالتك عزيزة رأسها على الوسادة وهي ممسكة بقارورة البيرّة ذات الزّجاج الأخضر والحجم الكبير، تتأمّلها بشغف ولهفة، تضع فم القارورة على شفتيها، تنفرج الشّفتان تلقائيّا فيجري السّائل المرّ على اللّسان ويسقط في الحلق محدثا صوتا شبيها بصوت الماء الّذي تدفعه المزاريب على الإسفلت.

        تغمض عينيها، ترفع رأسها وتتّكئ على مرفقيها، تمدّ يدها وتفتح الخزانة، تتنهّد، تمسك بالأوراق النّقديّة، تبسطها فوق اللّحاف، ترتّبها بعناية وتعدّها، ترفع نظرها نحو السّقف.

        «قلت له إنّه لا يعرف شيئا من الدّنيا ولا يعرف شيئا من النّساء، قلت له وأعدت الكلام، إنّني الآن خالصة أمام الله، والملائكة على يميني ويساري شاهدة، لقد أحسنت إليه في الدّنيا حسنة ما أحسنتها لغيره، قبل أن يدخل إلى الفراش أناوله حبّة صغيرة بطريقتي أنا، طريقة خالتك عزيزة فيرى الغرفة قصرا من قصور الجنّة والصّابرة حوريّة من حورياتها. ألست أنا من ملائكة الرّحمة"!

        سوق سيدي البحري تفوح منه رائحة الخضر والغلال وعلى مقربة منه تتدلّى على واجهات الدّكاكين شرائح ضخمة من لحم البقر والخرفان والحمير، وغير بعيد سمك مختلفة ألوانه وأشكاله وباعة يتفنّنون في عرض بضاعتهم.

        والصّابرات!

       تمخترت خالتك عزيزة، توقّفت، وزنت المعروضات بميزان العارفة المجرّبة، مالت نفسها إلى إحداهنّ فمالت عليها، ضربت بيدها على كتفها وواصلت الطّريق.

      عندما أطلّت على نهج جالطة كانت الصّابرة الجميلة بجانبها.

      توقّفت وأشعلت السّيجارة.

    «مسكين عمّار لا يعرف شيئا من الدّنيا ولا يعرف شيئا من النّساء.»

     عمّار يدخل المؤسّسة مزهوّا ويخرج منها مزهوّا، لا أحد يرتع مثله في الجنان الفسيحة، لا أحد يأكل مثله من أطايب الطّعام ولا يشرب مثله الشّراب المعتّق، لا أحد رزقه الله بمثل خالتك عزيزة الطّيّبة الطّاهرة السّريرة، تفرش له رموش عينيها وتطرد عنه البرد القارس بأنفاس الحوريّات.

     كم اقترض عمّار؟

      ماذا يضيره أن يقترض فللحوريّات سلطان وسحر وفتنة وثمن.

    حين تغادر خالتك عزيزة الشّقّة كلّ عصر وتضع قدما على الرّصيف يخفق قلبها سعادة فتبتسم من الأعماق.

     تبتسم لأن إحساسها يحدّثها بأنّ اليوم الموعود قد قرب.

     تتوقّف في منعطف النّهج فتتوقّف الصّابرة، يتبادلان النّظر لحظات قصيرة.

    النّصف بالنّصف.

    تفترقان والنّفس راضية مرضية.

    عمّار يغمره سبات عميق بعد أن تناول شريحة اللّحم وأفرغ الكأس في جوفه وأشبع غريزته.

    «كثّر الله من أمثالك يا خالتي عزيزة.»

     أيّام تتلوها أيّام.

     كلّ ليلة تحتضن خالتك عزيزة قارورة البيرّة تضع الفم على الفم وتتلذّذ السّائل يجري على اللّسان ويسقط في الأحشاء فيرويها.

     كلّ ليلة تضع الصّرّة في كفّها اليسار وتزنها فتنشرح النّفس.

     «قلت لك يا عمّار.. إنّ غدا لناظره قريب.. غدا أو بعد غد.. الشّهر القادم أو الّذي يليه.. هذا العام أو الآتي بعده.»

     أدّت طقوس الصّبح، انتظرت حتّى أشرقت الشّمس، ركبت الحافلة، تجوّلت في أرجاء السّوق، مرّت بالجزّارين، توقّفت أمام بائع السّمك.

     - يرحم الوالد، ثلاث سمكات بوري لخالتك عزيزة.

     سارت ملتفّة في اللّحاف والقفّة بيدها والصّابرة على يسارها، دخلت الشّقّة، هيّأت الطّعام ووضعته على المائدة.. سألتها الصّابرة متعجّبة:

     ما كلّ هذه الخيرات يا خالتك عزيزة؟

    - رحمة الله أوسع من ملكه.

    لم يعد عمّار في موعده، أدّت صلاة العصر، ثمّ أقبلت مع الصّابرة على المائدة.

يومها دفعت للصّابرة من حرّ مالها.

***

     مرّت بالمؤسّسة وسألت عنه.. دخلت مركز الأمن.. جلست على بنك الانتظار طويلا.

    - أنا بمثابة أمّه.

       تراقص الفرح في عينيها.

      ابتسمت وظلّت تبتسم.

      وقف عمّار مقيّد اليدين.

      - كيف لا شيء؟ أنا خالتك عزيزة، أنا بمثابة أمّك، أفرغ ما في فؤادك من أحزان، ماذا أفعل بعدك بنفسي وحياتي؟ أنا وما أملك فداك مهما كان الثّمن يا عمّار، مهما كان مبلغ الصّكوك. لن أطلب منك سوى شيء واحد، شيء واحد لا غير، بسيط كبساطة حبّة الهلوسة.

       ليلتها تورّد خدّاها، ليلتها نظرت طويلا إلى نفسها في المرآة، ليلتها تزيّنت وظلّت تتزيّن حتّى ارتفع آذان الصّبح، توضّأت وتيمّمت وصلّت صلاتها.

   «كم أنت رحيم يا ربّ.. رحمتك الوسع من ملكك.»

    اصطحبت عمّار في الأروقة الطّويلة والدّهاليز، دفعت عنه البلاء من حرّ مالها.

    تنفّس عمّار الصّعداء لكنّ دمعة جرت على خدّه.

    وضعت يدها في يده وطرقت الباب.

    تفجّرت دمعتان وانحدرتا ببطء على الخدّين.

     سألهما عدل الإشهاد:

    - أين الشّاهدان؟

    أجابت وهي تنظر في عيني عمّار متلذّذة سريان الدّموع على خدّيه:

   - الشّاهدان قادمان على الفور.

    تنهّدت وابتسمت.

   «كم قلت له إنّه لا يعرف شيئا من الدّنيا ولا يعرف شيئا من النّساء.»

  عبد القادر بن الحاج نصر

انتهت القصّة

 القصّة منشورة في المجموعة القصصيّة: 

"زطله.. يا تونس" في 2016

عن دار زخارف عربيّة

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب