مخدّة أبي (الجزء الثالث)

قصّة: مخدّة أبي 
لـــ : عبد القادر بن الحاج نصر
(الجزء الثّالث)
 

غاب القمر.. طلع القمر.. السّمك في السلّة والبحّار يتّبع مسارات النّجوم.. الأمل في القلب والريح رخاء.. الموج فقد زبده واللّيل يتكدّس كتلة من سواد لكنّ السّمك في السلّة والموعد يتجدّد.. رحلة تنتهي في قاعة الجلوس والولدان والصبيّة وأمّهم يقلّبون النّظر في السّمك ويشعلون الموقد.. شيء ما يحترق في الأفق البعيد.. البعيد يقترب، والقريب يزداد قربا.. أحبّك يا بلدي غزّة.. على الضّفاف تفتّقت الأحلام وكبرت، تلألأت مع كلّ نجمة.. تغيب النّجوم وتنبثق من بين السّحب.

بلال سيلتقط أولى السّمكات المشويّة.. يلتقطها ويختبئ وراء سرير النّوم، يقشّرها ويأكلها.

جاسم سيهتزّ غضبا، يركض في أنحاء البيت باحثا عن بلال ليأخذ نصيبه من السّمكة.

قدس ستنتهز الفرصة وتختطف السّمكة الثانية وتختفي، تلتهم نصفها وتلقي النّصف الثاني في فم القطّة.

طلع القمر ثمّ غاب.. فرقعة وزلازل على ضفاف البحر.. سحب ودخان.. لا مناص من السّير بين النّجوم.. طريق التبّانة تبدأ بين موجتين غاضبتين وتنتهي في فناء البيت.

تناهى إلى سمعه أزيز الزّوارق السّريعة.. تسمّع ثمّ ضرب الموج بالمجدافين.. يشقّ المجداف الموجة إلى نصفين.. الموجة تلملم ذاتها وتنطبق على المجداف فترمي به على أطراف الزّبد.

غاب القمر.. بين القارب وبين طريق التبّانة زوارق تشقّ العباب.. جهنّم فتحت أبوابها.. لا مسالك للبحر ولا أضواء كاشفة.. يتسمّع البحّار، يرهف السّمع، ينظر حواليه باحثا عن ملجأ.. الانفجارات تتوالى وتشتدّ، تبتعد وتقترب.. لحظة واحدة وينفجر القمر فيصعد القارب إلى فوق، إلى المنتهى باحثا عن موضع على حاشية طريق التبّانة.

نزل إلى الماء، أخفى ثلاثة أرباع الجسد المنهك، شرب الموج العرق وامتصّ الخوف.. يدا البحّار معلّقتان بحاشية القارب وهو يتلوّى، يتأرجح، يتمايل يمينا ويسارا، تنغرز مقدّمته في الموج، ترتفع لتسقط المؤخّرة في الماء.. يمرّ الصّفير والأزيز فوق رأسه وحواليه.

القارب يمسكه والماء يحتضنه وطريق التبّانة فوقه.

*****

التوى خادم الكنيس وجحظت عيناه لمّا رنّ الهاتف الخاصّ، حرّك الجثّة، جرّها، تعسّف عليها، مدّ الخطى.. أووه! كأنّه يمشي إلى الوراء، بينه وبين الهاتف نفس المسافة بين الباب والمكتب.. هزّ كتفيه، ما أطولها! دفع بصدره إلى الأمام قدر ما استطاع، تراخت مؤخّرته كأنّها تشدّه إلى الوراء، أسند يده على الجدار.. أمسك بالهاتف.

انقطع الخطّ.

تلعثم اللّسان.

تنفّس بصعوبة.

قطع المسافة حتّى أدرك الباب.. مدّد أنفه قدر ما استطاع وشرب الهواء.

«أغثني يا ربّ.»

*****

هل هو الشّفق أم الغسق؟

هل هو الليل أم النّهار؟

واقع أم حلم؟

واقفة تراود بعينيها الأفق.. على رمال الشّاطئ طلع القمر وغاب.. قرفصت بين الرّمل والماء، مدّت البصر ما أسعفتها حدّة البصر.. الماء والزّبد والشّفق.. الرّيح تفعل فعلها في الماء، والماء تجاعيد تنتفض وتتلاحق فتمحوها تجاعيد.

الشّفق يلوح في البعيد، سواد تكسوه حلّة أرجوانيّة فبرتقاليّة.. طيور بيضاء تضرب بأجنحتها الزّبد، تغوص بمناقيرها في الماء تلتقط رزقها وتتعلّى.

بزغ الشّفق على قوارب ملقاة على حاشية البحر مدفونة رؤوسها في الرّمال، هامدة ساكنة، لعلّها تبكي في صمت، لعلّها تروي حكاية صراع بحّارة ضدّ العاصفة، ضدّ رشقات الرّصاص، ضدّ القنابل الفسفوريّة.

بحثت داخل القارب.. لديها إحساس بأن تجده نائما، مهدودا بالتّعب والسّمك ينتفض في الشّبكة.. السّمك يختنق ولا يموت.. نصيب الأطفال من السّمك يظلّ مرتعشا لا يسلم الرّوح إلاّ بعد أن يخرجه الصبية من السّلال، يلاعبونه ويلاعبهم.. بعد ذلك يُقلى وعيونه مفتّحة تلاحق موجة تراها الأسماك ولا نراها.

مدّت ساقيها على الرّمال الباردة.. أحاطت رأسها بذراعيها وبكت بلا دموع.

*****

شعر خادم الكنيس بضلوعه تخفق وتتمدّد كأنّها قطعة مطّاط.. جاءه الحاجب.

- سيّدي إرساليّة جديدة.

تأمّل الإرساليّة المشفّرة.

«لمَ يشفّرون الأوامر؟ لست في حاجة إلى أن أخفي وجهي.. كنت أعلنتها على الملأ أمام الفصائل المتمرّدة، أمام الأقارب والأهل.. أنا خادم الكنيس.. نعم أخدم الكنيس وبأمانة ولن أخون حتّى ولو قطعوا عنّي الرّزق ولن يقطعوه.. مزّقت أوراقي ووثائقي ودفاتري.. كان اسمي عبد الله فأصبح اسمي "موشي".. كنت أصلّي في باحات الأقصى.. ولّيت وجهي نحو الكنيس.. من ينكر عليّ ذلك فليضرب رأسه على الحائط وليشرب من ماء البحر.. انتشلت النقود من جيب أمّي وتركتها مسجّاة في العراء، أبعد هذا خطيئة؟ عاديّ، أصبحت الآن محصّنا.. وطني خزانتي.

وطني جيبي وما في الخزانة.

*****

انتصف اللّيل ولم يئزّ المفتاح في قفل الباب.. تزاحم الصبية حول المخدّة كلّ واحد يرغب في أن يريح رأسه على نسيجها النّاعم، ويشتمّ رائحة الأب.. النّعاس يغالبهم.. تكوّرت القطّة فوق المخدّة.. ابتعدي، لن أبتعد، تزحزحي، لن أتزحزح.

تبادلوا النّظر، تأمّلوا المخدّة والقطّة تفترشها.. النّعاس يسري خدرا لذيذا في أجساد الصبية.. تحسّست قدس المخدّة، مرّرت كفّها على حاشيتها.. تعبت.. أهوت برأسها على المخدّة ووضعت خدّها على ظاهر كفّها واستسلمت للنّعاس.

امتزجت رائحة المخدّة بأنفاسها.. رأت الأب من فرجة الباب حاملا سلّة كبيرة تنتفض.. السّمك يهتزّ داخلها، يقفز فوق بعضه، يخترق أطراف السلّة ويتسابق داخل البيت.. رأت أمّها تشعل الموقد، شاهدت السّمك يلقي بنفسه داخل المقلاة والعيون مفتّحة.. يسلم السّمك الرّوح والعيون شاخصة.

رأت أخويها يختصمان حول السّمك، ورأت أباها متّكئا على مرفقه رافعا إحدى ركبتيه ومادّا الرّكبة الأخرى على البساط.. ابتسامة انتصار مشرقة على الملامح.

«أصبح عندي الآن بندقيّة

إلى فلسطين خذوني معكم.»

جذبت قدس نفسا طويلا.. رائحة الأب تتضوّع من المخدّة وطعم السّمك المقليّ ينتشر في الفضاء وأمّها توزّع الغنيمة بالعدل.. البحر في فناء البيت، والبيت في أعماق البحر.. الأب يبتسم والأمّ تقلّب السّمك في المقلاة والسّمك المتقلّب يشارك مَن حوله بعيون زجاجيّة لا تنام.

لكلّ نصيب في المخدّة ونصيب في الحلم ونصيب في رائحة السّمك.

عبد القادر بن الحاج نصر

لقراءة الجزء الأوّل اضغط  هنا

مخدّة أبي (الجزء 1)

لقراءة الجزء الثّاني اضغط هنا

مخدّة أبي (الجزء 2)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد