مخدّة أبي (الجزء الثاني)

قصّة: مخدّة أبي 
لـــ : عبد القادر بن الحاج نصر
(الجزء الثّاني)

أدار خادم الكنيس عينين جاحظتين فيمن حوله.. لم يشاهد أحدا.. أحسّ بعظامه ترتعش من البرد وفكّيه يصطكّان.. الحرّ في الخارج والصّقيع في الدّاخل.. ارتدى معطفه، لفّه جيّدا لكنّ البرد لم ينقشع، نزعه ثمّ تدثّر به وربط على وسطه بحزام جلديّ.

كان أعجبه المعطف وهو يدور في أسواق حيفا محاطا بعدد من الحرّاس.. سال لعابه فأخذ يتفحّصه.. لمّا همّ بدفع الثّمن أوعزوا له بأنّ المعطف إكراميّة.. لحظتها وهو في السّوق ترقرقت الدّموع في عينيه.

«نعيم والله فماذا بعد؟ مدينة طيّبة وأهلها كرماء.»

لحظتها شاهد ربطة عنق.. راقت له.. أخذ ينظر إليها بلهفة.. ما أروع الزّينة، لم يشاهد مثلها من قبل قطّ.. عيون زاحفة تناثرت على نسيج الرّبطة كحبّات اللّؤلؤ.. أدخل يده في جيبه.

- لا يا رجل هذه أيضا إكراميّة.

تسمّر أمام واجهة دكّان الأحذية.. من أين أتوا بهذا الجلد، وهذه القوالب، وهذه الألوان؟ بعض حياء مفتعل جعله يحني رأسه.

- وحقّ موسى وعيسى اقتن ما تشاء فهي من القلب إلى القلب.. إنّها من أرض التّماسيح الّتي عرفتها أنهار العالم فهي مثل رقية تدفع الحسد عن صاحبها.

امتلأت حاوية الطّائرة بالحقائب.. لمّا تكدّست في رواق المنزل عدّها وأعاد العدّ.. شكرا لآل يعقوب.. ليلتها قضى السّاعات يستعرض الهدايا، يرتدي القمصان ويحيط بياقاتها ربطات العنق.. غاب عنه العدد وهو يربط عنقه بالواحدة وينزعها ليضع الأخرى.. اضطرب العدّ.. ارتدى البنطلونات.. لم يستغرب حين شاهد بعضها فلا هي بنطلونات ولا هي فساتين.

لا يهمّ.. ما اشتبه منها سيرتديه في المنزل وما لم يشتبه سيختال فيها عند المناسبات.

«ما أكرم هؤلاء القوم. أنا اللّئيم الوحيد في هذا الكون!»

«راودتني أفكار شيطانيّة حولهم ذات يوم لكنّني أطردتها بسرعة كما أطرد جحافل الذّباب.. اللهمّ أبعد عنّي وساوس الشياطين.»

*****

 غاب القمر... تقلّب البحّار على الرّمل.

غاب القمر، زمجر الموج، ظهر زبد أبيض مجلّل بالسّواد.. أضواء الزّوارق السّريعة تخفق في البعيد على امتداد الأفق.. ركب القارب وسار في البحر.. القارب يرتفع وينخفض.. مدّ الشّبكة، عضّ لسانه وانتظر أن تعلق السّمكة بالشّباك.

فتحت الزّوجة الباب وقلّبت النّظر.

  غاب القمر.. قالت الأمّ.. أبوكم لم يعد حتّى الآن.. يا بحر رفقا بالقارب وبمن عليه، رفقا بالعائلة.. تبادل الصّبية النّظر وساد صمت مريب.. الوجع في الفؤاد والدّموع في المحاجر.

أطلقت القطّة مواء خافتا وغادرت البيت متسلّلة بين قدمي الزّوجة.. تدافع الصّبية حول الأمّ.

- أنا واثقة بأنّ والدكم سيعود بين لحظة وأخرى.. كأنّي أراه قادما.. الله معنا.. ليست المرّة الأولى الّتي يتأخّر فيها ثمّ فجأة يدخل علينا والسلّة مملوءة بالسّمك.

مرّرت كفّها على شعر الولدين والصبيّة.

همّت بأن تقول شيئا لكنّ الصّوت اختنق وأصبح حشرجة.

*****

رمى بالمعطف على حاشية السّرير ودخل بيت الاستحمام.. صافح صنبور الماء المذهّب بأطراف أصابعه وأحنى رأسه فتدفّق الماء وغمر الشّعر ونزل حتّى الرّقبة.. تنهّد.. خفّ الغليان في دمه.. نظر في المرآة.. حدقتا عينيه تتدفّق من داخلهما أسراب من ذباب أسود تحوم حول الحدقتين.. إنّهما بركتان تسبح في أرجائهما الضّفادع، تمرح وتنقنق.

نادى فجاءه يسعى.

- هل انسحبوا من الغلاف؟

مهمه الخادم.

- أجبني بالعربيّ الفصيح.

- يقال إنّهم انسحبوا وتركوا بعض قتلاهم.

- كم عدد قتلاهم؟

- الأخبار متضاربة.

- أجبني بالعربيّ الفصيح.. ألست عربيّا خالصا من أمّ فلسطينيّة خالصة من قلب فلسطين؟ هل فقدت النّطق بالعربيّ الفصيح؟

- الغلاف يبدو هادئا أمّا ما وراءه فيحترق.

ابتسم راضيا مطمئنّا.

- على أيّة حال سيسقطون واحدا واحدا كفراخ البطّ.. قلت لهم.. حذّرتهم.. أفهمتهم أنّ السّماء ستسقط عليهم كسفا.. قلت لهم إنّ الحماية رحمة ونعمة.

انسحب الحارس الشّخصيّ ليعود سريعا منقبض الملامح.

- فريق من صحفيّ القناة الثانية عشرة.

أنشب فيه نظرا أحسّه الحارس يغوص في لحمه كمخالب حيوان متوحش

- أدخلهم يا حيوان.. أسرع.

تململ حارس الكنيس، تعثّر، تماسك، أسرع، أحنى رأسه وقوّس ظهره ومدّ ذراعه وبسط كفّه، تماسك قدر ما يستطيع أمام الفريق.. رفّت شفتاه بمفردات تحيّة باللّغة العبريّة.

*****

   واقف أمامهم كالصّنم.. ابتسامة مفتعلة باردة على شفتين مرتعشتين.. تهاوى في فضاء الصّالون، ارتطمت مؤخّرته على حافة المقعد.. تزحزح إلى الوراء، اعتدل دون أن يعتدل.

  - ما رأيك.. موقفك صراحة من الهجوم على الغلاف؟

- موقفي معروف ومعلن.. إنّهم مجانين، متهوّرون، مغامرون، طلبت منهم أن يتّعظوا بالماضي.. رجوتهم باسم التاريخ والوطن، باسم الأطفال بنات وبنين، باسم أمّهاتنا اللّاتي عفت عنهنّ النّكبة.. قلت لهم اتركونا نحيا بسلام فنحن دعاة سلام، إخوة وأبناء عمومة.. احمدوا الله الّذي لا يُحمد على مكروه سواه.

عبد القادر بن الحاج نصر

لقراءة الجزء الأوّل اضغط هنا

مخدّة أبي (الجزء 1)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد