قصّة: ليلة من ليالي غزّة (2)


فتحت مريم الباب الخشبيّ المشقوق وواجهت أيّوب:

- الجنين استعصم.. غريب ابنك.. قدس تغرق في العرق.. في اللّحظة الحاسمة تشرب البطن الجنين وتدفع به إلى أعلى.. لا بدّ من عمليّة قيصريّة.

قرفص أيّوب بجانب قدس.

- عمليّة قيصريّة بلا تخدير! هل تتحمّلينها يا قدس؟

حرّكت قدس رموشها بصعوبة.

- أتحمّلها يا أيّوب.. المبضع في اللّحم حكاية لحظات.. سأعضّ على اللّحاف وأستحضر اللاّتي داست على بطونهنّ العربات، واللاّتي صرخن تحت الأنقاض ولم يسمع صراخهنّ أحد.. احملني إلى المستشفى.  

*****

كما دفعت مريم الباب الخشبيّ المشقوق وفتحته، جذبته بلطف حتّى لا يتهاوى وأغلقته.. قدس متعثّرة بين أيّوب ومريم.. أيّوب ينفخ في صدره ويوسّع من ضلوعه ليحمي قدس من الرّصاص.. لن يسمح لهم باغتيال الجنين في بطن أمّه كما اغتالوا محمّد الدرّة في حضن أبيه.

*****

تمطّى العمّ في البيت الأبيض.. فتح الخطّ السّاخن وابتسامة نصر محتمل تراوده.

- طمّنّي يا صديقي ديّان.

- عمّ تسأل؟

- الأموات.. كم أفنيتم؟

- مثلما اتّفقنا.. العدد يزداد كلّ لحظة حسب المربّعات والأحياء.. أتعبنا الإحصاء لأنّ المواليد يتوافدون كلّ لحظة.. النّساء الّلاتي بقرنا بطونهنّ وأخرجنا منها الأجنّة وهدّمنا فوقهنّ المنازل، يحملن تحت الرّكام ويلدن في لحظة عابرة.. أرعبونا يا رجل.

- صبّوا عليهم النّفط الّذي يأتيكم من أحبابنا وأحرقوهم، أحرقوهم حتّى يصبحوا فحما، ثمّ أحرقوا الفحم.

- أشعلنا فيهم الحرائق ورمينا بهم في النار الملتهبة بعد أن سلخنا جلودهم وانتزعنا منهم الأعضاء الحيويّة لكنّهم أطلّوا علينا وسط ألسنة النّار والدّخان.. تصوّر الأطفال.. تصوّر يا أنت الّذي طفت الدّنيا قتلا وتدميرا وحرقا، أقمت المشانق والمحارق، ضربت بالنّابالم والقنابل الذرّيّة، قضيت على شعوب ومدن وعواصم.. تصوّر أنّ جلود هؤلاء لا تحترق وأنفاسهم لا تنقطع.. نطلق عليهم الرّصاص في الصّدور فيبرزون وراءنا ويغرزون السّكاكين في ظهورنا.

- أنت تتوهّم يا صديقي ديّان.. لا شيء ممّا تتحدّث عنه.. وهم في وهم.. أنتم مرعوبون خائفون مهوسون.. تشجّعوا واضربوا، اقتلوا، مزّقوا الأطفال أشلاء، اسلخوا جلودهم، احفروا لهم حفرا عميقة واردموهم أمواتا أو أحياء.. ألا تعرف كيف فعل الأجداد بالهنود الحمر.. أين هم الآن الهنود الحمر؟ أصبحوا أشباحا وظلالا وملامح، لا صوت ولا كلمة، أموات يتنقّلون على الأرض.

- نفذت الذّخيرة.

- خذ من بعض جيرانك الطيّبين.

- كيف؟

- سآمرهم إن لم يفعلوا، سأرهبهم، سأتوعّدهم، سوف يأتونك سراعا كالخرفان.. بعض جيرانك طيّبون جدّا وبعضهم بلهاء جدّا.

- دعني أقبّلك قبلتين يا عمّ، واحدة على الخدّ الأيمن وأخرى على الخدّ الأيسر.

*****

ودّت الرّيح لو تسكن قليلا، والشّجرة لو تهدأ أغصانها والنّوافذ المتبقّية والأبواب لو تتفتّح على الشّمس قليلا ثمّ تنغلق فلا يغمرها دخان ولا نار ولا رائحة قنابل فسفوريّة.. ودّت المدينة لو تستعيد بهجتها وألقها وحركتها ونور شمسها وضياء قمرها ولألأة نجومها.. لا شيء.. لا الأبواب أبواب ولا النّوافذ نوافذ ولا الشّمس ولا القمر ولا السّماء ولا الأرض ولا الباعة.. أمّا الأطفال فجثث متحلّلة ملقاة هنا وهناك بلا ملامح.

*****

حتّى وإن اعتلى القنّاصة سطوح كلّ المستشفيات والعمارات والمنازل فلا مناص من المجازفة.

- قدس تشجّعي.. ارفعي رأسك، حدّقي في السّماء فالغيوم تنقشع تدريجيّا.. انظري إليّ.. أنا أيّوب الّذي يحبّك.. تمسّكي بالصّبر فما الوضع إلاّ صبر ساعة.

التفتت قدس إليه.. توقّفت عن السّير.. التفت إليها وواجهها.. توقّفت مريم ونظرت حواليها.. أنّت قدس، ارتسم الألم على ملامحها.. لم تحوّل نظرها عن أيّوب.. ابتسمت.. أرادت فقط أن ترضي رغبة في نفس أيّوب.

- ها أنا أنظر إليك.. لا شيء تغيّر.. رقبة زرافيّة ورأس سمين غليظ منتفخ لا أدري أهو اليقطينة أم اليقطينة هي رأسك.

قهقهت مريم.. وضعت كفّها على فمها لتخفّف قدر ما تستطيع من شهيّتها المتعطّشة للضّحك.. شهدت ألسنة النار تتوسّع ودواوير الدّخان تخترق السّحب.. اختفت القهقهة وغابت في صدرها.. لكزت مريم بمرفقها قدس عدّة مرّات.

- إنّه وقت المزاح بامتياز.. لكنّ الأفضل أن تتركي ذلك إلى أن يسقط الجنين في إحدى حفر الطّريق.

أيّوب يرغب في مشاكسة قدس لكنّه خيّر الردّ على مريم بلهجة عتاب.

- احفظي لسانك يا مريم.. ابني شبل من أشبال المقاومة يعرف أين يسقط.. أعلم أنّه سيهوي على رأسه لكنّه سيؤدّي حركة بهلوانيّة ويستوي على قدميه بينما الرأس شامخ عال يرنو إلى السّماء.

مرّة أخرى غلبت القهقهة مريم فتركت لها العنان بينما فضّلت قدس أن تمدّ أصابعها لتمسح بها على رقبة أيّوب العارية.

- ما شاء الله فعل.. أعرف يا أيّوب أنّ في صدرك يزأر أسد هصور.. لم ترهبك القنابل ولا زمجرة الصّواريخ.. كلّ الجيران يفتخرون بك.. لكنّ ذلك لا يحدّ من امتداد رقبتك الزّرافيّة ورأسك اليقطينيّة.

الرّصاص يشقّ الفضاء فوق الرّؤوس.

صرخت قدس فدفعها أيّوب بلطف.

- يا زوجتي الغزالة.. رقبتي ليست رقبة الجبناء والعملاء إنّها مدفع يحمل في أعلاه قنبلة انشطاريّة.. أفهميها يا مريم.

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2024

لقراءة الجزء الأوّل من القصّة

اضغط على الرابط (هنا)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب