قصّة: ليلة من ليالي غزّة (1)
![]() |
| من: ليلة من ليالي غزّة |
*****
من شقّ الباب.
من الشّرخ النّازل كالقضاء من
أعلى إلى أسفل يتلصّص أيّوب على زوجته قدس وهي تئنّ، وبين أنّة وأخرى صرخة.. لا
يحقّ لأيّوب أن ينظر إلى زوجته وهي في حالة وضع، لكنّ أيّوب لا يستحي، أيّوب رجل
أخذت منه الأحداث كثيرا من براءة السّلف.. الأحداث قلبت فيه كلّ شيء.. لو اقتضى
الأمر لباشر بنفسه استقبال الجنين.. أخته مريم تتولّى أمر قدس بنفسها.
هما، أيّوب وقدس زوجته ومعهما
مريم أخته خرجوا من تحت الأنقاض بعد أن صعدت أرواحهم إلى السّماء ثمّ نزلت.. الله
شاء أن يظلّوا أحياء من بين سكّان العمارة.
.. وهربوا، أسرعوا الخطى نحو
أيّ مكان آمن.. ولا مكان آمن.. فقط أوهموهم قبل سقوط المربّع السكنيّ على الرّؤوس
أنّ على شريط فيلادلفيا خيام وماء وأكل.
يوم وليلة تحت الأنقاض وساعات
سيرا على الأقدام تحت عاصف مطر.. مطر ينهال حينا ويهدأ حينا والماء يجري في
الطّريق الّتي قلبت الجرّافات طبقتها الإسمنتيّة وحوّلتها إلى مسلك جبليّ.. أكداس
من تراب، حفر وأحجار وألواح خشب ومسامير وقضبان حديد وكلّ ما خرج من باطن
المربّعات السّكنيّة، أوان وخزائن وطاولات ومقاعد وكتب وكرّاسات ومصاحف قرآن
وملابس.. هناك على بعد خطوات جثّة صبيّ معفّرة بالطّين الأسود على أمتار منها
جثمان سيّدة.. شعر الأسود منفلت على الأرض وعينان جفّت دموعهما في مقلتيهما وسكنت رموشهما
الكحليّة.. على جانب الرّصيف كدس من جثث نصف متحلّلة، لا ملامح ولا ألوان.
- أغمضي عينيك يا قدس.. مريم
انظري أمامك.. لا تلتفتا يمينا ولا يسارا.. الجحيم في كلّ مكان.. المهمّ أن لا
تدركنا جحافل الدبّابات وقبل أن يعتلي الجنود السّطوح إذ يقومون بحصص صيد أطلقوا
عليه.. موسم صيد الغزّاويّات.
شاهد دمعتها ترتجف في مقلتها..
أمسك بكتفها ورجّها.. اضحكي يا قدس.. انظري إلى السّماء الماطرة واضحكي.. أرجوك أن
تضحكي بحقّ الجنين الّذي في بطنك.
تجرّأ أيّوب ووضع كفّه على بطن
قدس.
- ما شاء الله.. لديك بطل
يتربّص بالأعداء فكيف تبكين؟ بطل يا قدس مثل أولئك الّذين يتربّصون في الأنفاق.
وجّهت إليه نظرة متعبة.. رفّت
زاوية شفتيها فانسحبت الدّمعة وسقطت على الذّقن وتلاشت.. ارتطمت قدمها بحجر
فصرخت.. تماسكت وواصلت السّير.
- أرأيت يا مريم؟ أليست قدس من
صنف المحاربات الشّرسات؟ قدس هبة السّماء للعائلة.. العائلة الّتي ذهبت، انسحبت،
خرجت من ركام الدّنيا.. قدس هذه يا مريم ما شاء الله، تبارك الله، لا حول ولا قوّة
إلاّ بالله، الصّبر والشّجاعة.
تحت الماء على سطح الطّين زلقت
قدم قدس.. سقطت، صرخت، ضغطت بيديها الاثنتين على بطنها.
- إنّه يتخبّط.. أيّوب أرجوك..
ولدك على أهبة الخروج.
- اتّكئي على مريم فهيي قويّة
كاللّبؤة علينا أن نخرج سريعا من هذه الدّائرة.
أنشبت أظافرها في لحمة ذراعيه.
- الجنين يا أيّوب يكاد يصرخ
والمستشفى بعيد.
دفعت مريم الباب الخشبيّ.
- هنا في هذه الخرابة البقاء
أفضل ففي المستشفيات يقتلون الأطفال.
*****
شبّان وشابّات يضربون في
المتاهة، يطوفون ركضا بين الأنقاض.. نساء يتلحّفن السّواد.. السّماء متربّعة فوق
الأرض.. ظلام يحيط بالرّكام يستر فضيحة - شعب الله المختار - لا قمر ولا نجوم فقط المسيّرات
والأضواء الكاشفة.
*****
قدس في حالة مخاض.. صرخة تلو
أخرى.. أغلقت مريم الباب الخشبيّ المشقوق.. هي الّتي ستتعهّد قدس، هي الّتي ستكشف
عن الجنين وهو يتخبّط في الظّلام يحاول أن يطلّ على الدّنيا، هي الّتي سترفع
الفستان وترقب حركة المدّ والجزر، يصعد الجنين إلى أعلى البطن وينزل إلى أسفل.
ضرب أيّوب صدره.
«أيّوب يا أيّوب! الولد آت هل ستضمّه إلى صدرك.. هل
ستصل به إلى المستشفى، والمستشفى تعلو الزّبانية سطوحه.. سيصطادون ابنك وهو في
حضنك.. هم أبالسة ورميتهم صائبة.. هل تتذكّر محمّد الدرّة وهم يطلقون عليه وابلا من
الرّصاص وهو كالأرنب الصّغير ملتصق بأبيه.. الأب يستغيث ومحمّد الدرّة يحتمي به
إلى أن تهاوى ورحل ولم يعد.. ماذا أفعل أنا أيّوب؟ أرجوك يا قدس حافظي عليه في
الأحشاء.. هناك الدّفء حيث محمّد الدرّة وهنا الرّيح الباردة حيث أنت وابنك يا
أيّوب.. هناك الطّمأنينة وهنا الماء البارد يجري تحت الأقدام، هناك تستطيع أن تغمض
عينيك وتنام لكن هنا.. ماذا أقول لك؟»
*****
عبد القادر بن الحاج نصر
فيفري 2024

تعليقات