قصّة: غزوات بني عمّي (1)
![]() |
قصّة: غزوات بني عمّي (1) |
على وقع الأحداث الكئيبة الّتي تثقل نفسي وتشدّني بألف شدّاد إلى دائرة الأحزان سرت عائدا من العاصمة إلى القرية.. وحدها فضاءات القرية تعيد إليّ توازني المفقود، أحدّق في الملامح فترمي بي في جنّة الصّبا.
أوّل المستقبلين من أهل القرية يقبل عليّ بابتسامة عريضة
ويدعوني إلى تناول الفطور في مطعم "بابا البي" أين تشوى لحوم الخرفان الّتي
لا لحوم تفوق لذّتها وهي الخرفان الّتي تسرح في المراعي المترامية وتقتات من نبات
الشّيح والقزّاح.
وتستمرّ الخطى في أحضان القرية.. مع كلّ لفحة هواء
أتنفّسه تخفّ وطأة الأحزان، أنا في هذا المكان ذاك الصبيّ اللاّهي الّذي تخفق
جوانحه بالفرح الدّائم، لا هموم ولا خوف ولا زحمة ولا عدوّ يترصّدني ولا إرهاصات
إداريّة.
أنا في القرية بين مطعم "بابا البي" ومقهى
"حمّة الطّويل" الابن الوفيّ العائد دوما إلى أحضان الأهل ودفء الحقول
وخضرة المراعي ومشهد السّحب الّتي تطلّ بعد الظّهر من وراء الجبل حاملة البشائر
لكلّ المواسم فتشرق أملا وسعادة على وجوه الفلاّحين.
أنا موظّف في إحدى المؤسّسات بالعاصمة في درجة عالية
وأتقاضى مرتّبا محترما وأحيا حياة شبه مرفّهة لكنّ الشعور بفقدان القرية وأهلها
اللّذين أحملهما في سويداء القلب يمنعني من التمتّع بفضائل العاصمة.
عند طرف القرية في اتّجاه الغرب يبدو لك المسجد الجامع
المهيب بصومعته الصّغيرة الّتي رأيناها دائما ونحن صغار عالية شامخة وبجانبها روضة
الشّهداء.
نحو ذلك المعلم المقدّس تهزّني خطواتي فأنا أحمل في
كياني أولئك الشّباب اللّذين قادتهم قوّات الجندرمة الفرنسيّة ذات ليل ونفّذت فيهم
حكم الإعدام بالرّصاص.
هم الشّهداء وهم الرّموز وهم قدوة عشّاق الأوطان.
مررت أمام المسجد الجامع فرأيت أنّ روضة الشّهداء تمّ تهديم
جزء مهمّ منها وأقيمت فيه مراحيض عموميّة.
وبكيت.
عبد القادر بن الحاج نصر
فيفري 2018

تعليقات