قصّة: ليلة من ليالي غزّة (3)

قصّة: ليلة من ليالي غزّة (3)


لقراءة الجزء الأوّل من القصّة اضغط على الرابط (هنا)
لقراءة الجزء الثاني من القصّة اضغط على الرابط (هنا)


 المستشفى على بعد مائة متر.. توقّفت قدس وتيبّست أطرافها.

- يا أيّوب يا زوجي الحبيب.. يا مريم يا أخت زوجي أظنّ أنّ الخوف استولى على أيّوب.

حدّق فيها أيّوب متعجّبا ولم ينبس بكلمة.. حدّقت فيه بدورها وفتحت عينيها بإجهاد، عضّت شفتها وتمتمت.

- وقف حمار الشّيخ.. عودا بي إلى الخرابة.

*****

أجلساها على ركبتيها داخل الخرابة.. أنّت مريم أنينا خافتا متواصلا وهي تضغط بكفّها على جنبها.. الظّلام جاثم على المحيط.. مسح أيّوب بكفّه على شعر مريم ثمّ على كتفيها ثمّ على جنبها مهدّئا من روعها.. تبلّلت كفّه.

«إنّه ماء المطر.. بلل على بلل.. حتّى ماء المطر أصبح لزجا بفعل الدّخان والشّظايا، بفعل الفسفور المنتشر في كلّ مكان، بفعل الغبار والرّوائح الّتي تنتشر من المزابل، بفعل الجثث المتحلّلة.»

تذوّق أيّوب بطرف لسانه البلل.. إنّه ماء ثقيل.. رغم العطش لم يستسغ أيّوب طعم الماء.

«لعلّ السّماء أمطرت دما.»

عاد أيّوب يتحسّس البلل.. بلل ثقيل لزج كأنّه ممزوج بكويرات حمراء.

ركض في اتّجاه مصباح معلّق في عمود ينسكب منه ضوء كما ينسكب الماء من بين فرجات الأصابع.. ماء أحمر لزج.

ركض عائدا، دفع الباب المشقّق بقوّة.. قدس جاثية على ركبتيها، رافعة رأسها، نظرها معلّق بسواد السّقف، يداها متحدّرتان في حجرها.. مرّر كفّه بين الكتفين فالظّهر.. الثّياب تحول بين الماء المتخثّر المالح الثّقيل وبين الكفّ.. الظّلام يغمر كلّ شيء.

 في الجانب الآخر تبدو مريم كدسا من ظلام، ممدّدة أو منطوية على نفسها.. لعلّها نائمة.

وقف أيّوب وراء قدس.. احتضنها بقوّة.. تزحزحت كفّاه فوق نسيج الفستان الّذي يغطّي السّاعدين، ثمّ على بشرة الذّراعين حتّى المعصمين.. باطن كفّيه على ظهر كفّيها.. تجمّدت كفّاه، وتجمّد دمه في العروق وانحبست أنفاسه.. كفّاه محيطتان بكفّيها، وكفّاها محيطتان.. لا يدري بماذا.. هل يصدّق أم لا يصدّق؟

ما الّذي تحتضن قدس؟

تذكّر أنّ في جيبه الداخليّ قدّاحة فأخرجها.. حاول أن يشعلها فأبت.. رفع اليقطينة الضّخمة.. ماذا في السّقف؟ ماذا وراء السّقف؟ ماذا وراء الظّلام والسّحب والمطر وقصف الرّعود والقنابل المضيئة وصفير الصّواريخ.

شقّ الصّمت ما يشبه الصّرخة.. ضغط على القدّاحة بعنف.. انبثقت شعلة أطردت بعض الظّلام.. حدّق.. يا لها من دنيا! كفّا قدس محيطتان بالجنين.

فتح الباب المشقّق على مصراعيه.. اختطف الصبيَّ من بين الكفّين المتيبّسين، أحاطه بذراعيه، لفّه في الكوفيّة الّتي تغطّي كتفيه، ألصقه بصدره، ضمّه بقوّة وقد لاح في خياله مشهد محمّد الدرّة وأبيه.

عبد القادر بن الحاج نصر

فيفري 2024

لقراءة الجزء الأوّل من القصّة اضغط على الرابط (هنا)
لقراءة الجزء الثاني من القصّة اضغط على الرابط (هنا)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب