قصّة: زمن خالتك عزيزة (3)

قصّة:
زمن خالتك عزيزة (3)


      
كان الزّمن زمنا يروح فيه النّاس ويغدون وعلى ملامحهم فرحة النّهار وفي قلوبهم سعادة الأيّام القادمة.. الأرصفة نظيفة وحافلات النّقل تتّسع للجميع والمقاهي تفتح أبوابها قبل آذان الصّبح.. للنّاس أجنحة كما للطّيور.

      لخالتك عزيزة جناحان تقطع بهما المسافات مهما كانت بعيدة مترامية.. محافظة على كلّ شيء حتّى على خفقة الحبّ الّتي تدغدغها فتبتسم، وتبتسم فيلوح لها طيف عمّار، ويلوح الطّيف فتلفّ لحافها الأبيض جيّدا تشدّه إلى جسمها.. بين الجسم واللّحاف تشعر بأنّها تحتضن عمّار وتزرع في أعطافه الدّفء.

       سوف يدخل عمّار بين اللّحاف الأبيض والجسم شاء ذلك أو لم يشأ.

       مازالت خالتك عزيزة على بركة عظيمة.. مازالت تسرّ النّاظر.. مازالت تفتخر بنفسها. حين تقف أمام المرآة وتستعرض تفاصيل شعرها الأسود وجبهتها البيضاء وحاجبيها المقوّسين وعينيها الواسعتين وصدرها المتحفّز تشعر أنّها لم تفقد شيئا من أنوثتها، وأنّها لم تتخلّى عن ذرّة واحدة ممّا وهبها اللّه من فتنة وجمال.

       مرّت سنوات لكنّها مازالت كذلك.

       الخيانة وصمة عار في جبين النّاس.

      الخيانة أتتها من الدّنيا.

       لعبت بها الظّروف الغامضة المتناقضة وتركتها تائهة على قارعة الطّريق.

       الخيانة لم تأخذ من فتنة جسدها شيئا.

       لملمت أشلاء نفسها وواجهت الدّنيا والنّاس.

       كم في الدّنيا من حقارة!

       كم في النّاس من أولاد كلب!

       السّتّينات والسّبعينات ليست خيرا كلّها.

      تأفّفت، تردّدت، ابتسمت وذرعت سوق سيدي البحري ذهابا وإيّابا.. هذه حبّات الطّماطم حمراء مثل خدّي عمّار، وهذا الفلفل ينبض حرارة مثل ما تنبض الحرارة في صدر عمّار حين يفتح الباب ويلتقي وجها لوجه مع إحدى الصّابرات.

      عمّار لا يعرف شيئا ممّا تعرف خالتك عزيزة.

      كلّ النّساء اللّاتي عاشرهنّ هنّ من بنات أخت وأخ وعمّ وخال وجارة وجار خالتك عزيزة.. هكذا قالت خالتك عزيزة.. كلّهنّ من لحمها ودمها، كلّهنّ من عائلات محترمة شريفة لم يمسسهنّ إنس ولا جانّ.

       خالتك عزيزة ملاك واقف على باب الجنّة.

       وبداية الطّريق تبدأ من نهج جالطا.

       ولأنّ عمّار طيّب وابن حلال فهو موعود بجنّتين واحدة على الأرض والثّانية بعد الدّنيا الفانية.

       رجع كعادته ينهب رصيف نهج جالطا متلهّفا متحفّزا.

        وعدته خالتك عزيزة أمس بأنّ فتاة اليوم ليست كالأخريات، هي مسك وورد وريحان، حوريّة بدون منازع.

         فتح الباب.. غشيته رائحة مطهّر لم يعهده من قبل.. تنشّق وتلذّذ.. للرّواق الصّغير لمعان كأنّه الزّجاج المرشوش بشعاع الشّمس.. خفق القلب بين الجوانح.. أطلّ على المطبخ.

          أدارت خالتك عزيزة رأسها وهي ممسكة بقارورة البيرّة الخضراء الكبيرة الحجم.. صبّت البيرّة في الكأس.

        - اشرب يا عمّار.

        جلس عمّار قبالتها ورسم حركة تساؤل برأسه. ردّت خالتك عزيزة بحركة مغايرة فاصفرّ وجهه وتقطّب جبينه وارتعدت فرائصه وارتعشت شفتاه.

        - خالتك عزيزة!

        نظرت في عينيه طويلا.. تنهّدت.

       - أنت يا عمّار لا تفقه شيئا من الدّنيا.. لم تتعلّم السّير في الطّرقات الوعرة.. الدّنيا تأتيك فاتحة أحضانها فتأخذها إليك، تأخذ منها ما تشاء، تنام وتنهض، تعمل في الشّركة وتعود لتأكل وتشرب، أمّا المغبونة خالتك عزيزة فلم تسألها عنها مرّة واحدة.

        رفع الكأس وشرب البيرّة جرعة واحدة.

        - أنت اليوم لست خالتك عزيزة الّتي أعرفها.

       قرّبت الكأس من شفتيها.

       - لا يا عمّار.. أنا هي أنا.. لم أتغيّر ولن أتغيّر.

        عضّه لهيب الشّهوة فنهض.

      -  أهي في الدّاخل؟

      ابتلعت نصف ما في الكأس وأشارت بإصبعها إلى صدرها.

     - أتقصد الحوريّة! إنّها هنا.

      غادر المطبخ وغاب عن عينيها.. النّار تأكله، اللّهفة تنتفض في أحشائه.. لا أحد في الدّاخل.. الفراش خال والنّافذة مفتوحة والذّبابة تحوم في فضاء الغرفة. عاد مسرعا إلى المطبخ.

     - أين هي؟

    - عد إلى الجلوس يا عمّار.

    - أجيبيني فورا.. أين هي؟

    - اهدأ يا عمّار.. هل يجوز أن تستقبل بنات العائلات بزجاجة بيرّة وطعام بلحم الأحمر.. بنات النّاس ليس كلّهنّ سواء.. لقد حسبت أنّك ستقتني البارحة شرابا راقيا ويسكي أو شمبانيا.. الحوريّة جاءت وانصرفت، الحوريّة ليست جارية، إذا أردت حوريّة فأدخل يدك إلى جيبك وانظر إلى أعلى.

     - غريب هذا الكلام.

     - قلت لك منذ حين إنّك لم تفهم الدّنيا.

     نهضت خالتك عزيزة لفّت لحافها حول جسدها، رفعت قفّتها، ألقت عليه نظرة متأنّية ساخرة، غادرت المطبخ وعيناها مصوّبتان نحوه..  وجنتاه تخفقان.. أصابع يديه ترتعشان، صدره يعلو وينخفض.

      وضعت يدها على الباب.

      وضع يده على كتفها وجذبها بقوّة.

      - هل قلت لك يوما إنّني أكرهك.                                                               

عبد القادر بن الحاج نصر

(للقصة بقيّة)           

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب