قصّة: زمن خالتك عزيزة (2)

   

قصّة:
زمن خالك عزيزة (2)



يومها كان الطّعام لذيذا، لم يذق عمار ألذّ منه منذ أن استوطن العمارة في نهج جالطة، ويومها أقبل على الطعام بنهم شديد، كان يحس برغبة شديدة في الانتهاء منه لكنّه شاهد خالتك عزيزة تأكل وكأنّها لا تأكل، تلتقط الطعام بقدر ما يلتقط الطّير ثم تشعل السّيجارة       وتتأمّلها وهي تحترق تدريجيا فلا تسحب رحيقها إلاّ على دفعات متباعدة، تضع يدها على الطاولة، وتضع طرف السّيجارة على حاشية المطفأة وتضربها بسبّابتها ضربات خفيفة ثم ترفع يدها وتسندها على كتفها معدّلة وضع السّيجارة واتّجاهها في حدود مجال نظر عمّار.

    لأوّل مرّة تناولت خالتك عزيزة الأكل على مائدة واحدة مع عمّار.

    تأكل وتبتسم.

    تسحب الدّخان من السّيجارة وتبتسم.

    تتنهّد وتبتسم.

    ترفع الطّعام على طرف الملعقة تتذوّقه وتبتسم.

    تحكّ بقيّة السّيجارة على طرف المطفأة وتظلّ تحكّها ونظرها معلّق بعمّار وهي تبتسم.

    تحدّق في عمّار بجرأة الصّابرات وتبتسم.

    عمّار يحترق، يودّ أن ينهض ويصفع خالتك عزيزة، يشدّه الخجل إلى المقعد، ينطفئ الحريق قليلا، لحظات وتضطرم النّيران من جديد.

    شقّت ذبابة فضاء الغرفة محدثة طنينا حادّا.

    أدارت الصّابرة رأسها نحو النّافذة ورسمت حركة انزعاج خفيف بشفتيها.

    نهضت خالتك عزيزة وأغلقت لوح النّافذة، وأسدلت السّتارة الزّرقاء فتكوّر الظّلام على الضّياء. نظرت إلى ساعتها فغمرها الارتباك.

   - حرام عليّ يا جماعة لقد تأخّرت عن صلاة العصر.

   قالت الصّابرة وهي تحدّق في عمّار:

   - لو كنت على وضوء لأدّيت الفريضة.. الله غفور رحيم.

   انطفأت النّار في أحشاء عمّار وتحوّلت إلى رماد، تبعثرت الأحاسيس والأفكار.

   غادرت خالتك عزيزة الغرفة وأغلقت الباب برفق متناه.

   أسرعت إلى بيت الحمام.

   توضّأت وأحسنت الوضوء.

   ومن الحمام إلى المطبخ.

  فرشت الزّربية وأخرجت الحجر من القفّة.. تيمّمت وأحسنت التيمّم.

  رفعت يديها وأدّت صلاتها.

  «اللّهم لك الحمد والشكر.. أنا أمتك الضّعيفة فاغفر لي إن أذنبت.»

  أعادت حجر التّيمم إلى القفّة بعناية فائقة بعد أن لفّتها جيّدا في فولارة من حرير حتّى لا تتدنّس فلا يصحّ التيمّم عليها.

  أخرجت قارورة البيرة من الجانب الثّاني من القفّة، نزعت السدّادة وأخذت منها رشفات متتالية.

  «لعنة الله على الوحدة.. لقد قسم الله الأرزاق وهذا نصيبي.. اللّهم إني راضية.»

  خمس سنوات من الزّواج انتهت بالطّلاق.. زوج فاسق ابتلعته المياه الآسنة فتبرّأت منه.. إنّه النّصيب.

 عشر سنوات تلت الطّلاق.

  هنا وهناك.

  تائهة بين أبواب الرّزق.

  تضحك عندما يفتح باب، وتضحك عندما يغلق باب.

  النّصيب؟

  من أريانة مدينة الورد إلى الأحياء الرّاقية وسط العاصمة، إلى السّوق المركزيّة إلى المساكن الفاخرة، إلى سوق لافايات، إلى سوق سيدي البحري، إلى باب عمّار، وعمّار محتاج إلى أيد حاذقة تعجنه وتطبخه وتسوّيه.

  قامت بجولتها الصّباحيّة في سوق سيدي البحري، حافظت على حجر التيمّم على اليمين داخل القفّة، وعلى قارورة البيرة الخضراء كبيرة الحجم على اليسار وكلاهما ملفوفة بعناية حتى لا تمسّ إحداهما الأخرى وبينهما شريحة اللّحم والخضر والغلال.

  كانت الصّابرة واقفة في مكان منزو بعيدة عن الصّابرات الأخريات.

  أقبلت خالتك عزيزة وبسطت كفّها.

  - هات!

  أخذت الدّهشة الصّابرة.

 - ماذا أعطيك؟

 ردّت خالتك عزيزة بنبرة حادّة.

 - المبلغ الّذي أخذته من عمّار.. النّصف بالنّصف.

  قالت الصّابرة مستنكرة:

 - أمان؟

 تأجّج الغضب في عيني خالتك عزيزة.

 - أمانين.

 ابتسمت الصّابرة.

 - أو أنت أيضا؟

 أجابت بعد أن هدأ الغضب قليلا:

 - لا يا روحي عمّار يحتاج إلى الأكل والشّراب واللّباس والزّواج.. أنا بمثابة أمّه.

 همهمت الصّابرة كلاما متقطّعا:

 - عجائب.. يا والله عجائب!

 فتحت حقيبتها وناولتها مبلغا من المال رمت به خالتك عزيزة في القفّة. أمسكت الصّابرة بذراعها.

 - عمّار قمر.. قمر وملاك.. لقد أحببته أخاف عليه يا خالتي عزيزة من الغيوم العابرة ومن وساوس الشيطان.. هيّا بنا.

 حدّقت خالتك عزيزة في الصّابرة، تردّدت قليلا ثم ضحكت.

 -يرحمك الرّحمان.. عمّار لا يباشر امرأة واحدة يومين متتاليين.. إنّه شهرياري أنا. أتسمعين برجل اسمه شهريار؟

 قالت الصّابرة متوسّلة:

 - ينوب عليك يا خالتي عزيزة.

 انسحبت خالتك عزيزة.

 - ينوب عليّ وينوب عليك.

 ابتعدت.. ظلّت الصّابرة تتابعها بنظرة منكسرة.. توقّفت والتفتت وأشارت إليها بإصبعها.. أسرعت الصّابرة وقد عادت إليها الرّوح.

 عبد القادر بن الحاج نصر

(للقصّة بقية)

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب