قصّة: زمن خالتك عزيزة (1)
.jpg)
قصّة:
زمن خالتك عزيزة (1)
تلك الأعوام الّتي خلت.. سنوات السّتّين
والسّبعين.. أيّام الحبّ والبركة والأرصفة النّظيفة.
زمن خالتك عزيزة!
امرأة تحفة، أعجوبة، متمرّدة، سائرة في
الدّنيا عفو خاطرها، متملّحة منها.
تغادر فراشها عند الرّابعة صباحا، تعدّ
قهوة البنّ السّوداء وتضعها في الكأس الزّجاجيّة ثمّ تجلس على الزّربيّة القديمة
وتأخذ في احتسائها رشفة بعد أخرى وبين كلّ رشفتين تجذب نفسا من سيجارتها المفضّلة.
يمرّ الوقت دون أن تشعر بالملل أو الحاجة
إلى النّوم من جديد، يرتفع صوت المؤذّن مناديا لصلاة الصّبح، تفرش سجّادتها، تمرّر
يديها على حجر التّيمّم وتؤدّي الفريضة في خشوع.
حجر التّيمّم ركن من أركان البيت، وركن
أساسيّ من متمّمات صلاتها ليس لأنّ بيتها خال من الماء الصّالح للشّراب والوضوء،
بل لأنّ نفسها تحدّثها بأنّ الوضوء قد ينتقض في أيّ لحظة دون أن تشعر بذلك، وقد
انتهى بها الأمر إلى اليقين بأنّ الذين يؤدّون الصّلاة على وضوء إنّما يوهمون
أنفسهم بذلك فبين الحنفيّة والسّجّادة قد يحدث ما لا تراه العين وما لا تسمعه
الأذن.
تتوضّأ خالتك عزيزة مؤدّية واجبا وتتيمّم
وعلى ملامحها خشوع وطمأنينة.
تغادر خالتك عزيزة كلّ صباح أريانة مدينة
الورد، تركب حافلة النّقل وتترجّل على رصيف شارع الحرّيّة لتشقّ طريقها نحو سوق
سيدي البحري فتقتني ما يلزم من خضر ولحم لوجبتي طعام اليوم.
تخرج من السّوق، تمرّ بطابور الصّابرات
الواقفات تحت الحائط يبحثن عن رزقهنّ، تبتسم وتمرّ.
حين تدرك طرف نهج جالطا تتوقّف لحظات لتحكم لحافها حول قامتها القصيرة
نسبيّا، تعود خطوات إلى الوراء، تلتصق بالجدار، تدخل يدها بين القميص والصّدر،
تخرج علبة السّجائر وتشعل سيجارة وتلتهمها بنهم على دفعات إلى أن تصل باب العمارة
فتلقي بالبقيّة على الرّصيف وتدوسها بقدمها وتصعد إلى الطّابق الثاني.
في الطّابق الثّاني في شقّة صغيرة استقرّ
عمّار منذ عدّة شهور.
عمّار شابّ أعزب يعمل موظّفا في
شركة لكراء السّيّارات له مرتّب متواضع يخصّص جزءا منه للأكل والتّنظيف ودفع أجرة
خالتك عزيزة.
عمّار مهذّب، دائم الابتسامة برغم انكماشه وخجله، يحبّ خالتك عزيزة لأنّه
يرى فيها الخادمة المثاليّة.
فاجأها ذات يوم وهي تخرج حجر التّيمّم من قفّتها وتؤدّي فريضة صلاة العصر.
العصر هو الوقت الّذي تغادر فيه عادة الشّقّة بعد أن تنهي عملها وصلاتها.
ابتسم عمّار.
«خالتك عزيزة جوهرة بين الخادمات في العاصمة.»
غادر عمّار الشّقّة ونزل الدّرج على مهل وصورة خالتك عزيزة مهيمنة عليه وهي
تتمسّح بيديها على الحجر ومحرّكة شفتيها ببطء ومغمضة عينيها.
أحبّ فيها هذا النّزوع إلى الطّهارة والذّوبان في ملكوت الغيب.
وضعت خالتك عزيزة الحجر في القفّة وسارت في الرّواق الصّغير ملقية نظرة على
فراش عمّار، تقدّمت وسوّت أطراف الغطاء وضربت بكفّها غلاف المخدّة.
تنهّدت.
«لا ينقص عمّار
إلّا فتاة جميلة فاتنة تؤنسه في الفراش.»
هبطت درج العمارة كالغمامة البيضاء.
«عليّ أن أسوّيّه على نار هادئة.»
«ليس من العدل ولا من الأخلاق الحميدة ولا من
الدّين أن يظلّ عمّار يروح ويغدو دون أن يتذوّق طعم الحياة.»
«الأكل والشّرب والعمل اليومي من طبيعة البهائم،
عليّ أن أخرجه من الإسطبل إلى نعمة الحياة ولذّتها.»
«ألست في مقام أمّه!»
«عار عليّ ألّا أقوم بواجبي نحوه.»
مرّت السّاعات، تكوّر اللّيل على النّهار،
ثمّ تسلّل اللّيل وأشرقت شمس اليوم الجديد.
دخلت خالتك عزيزة سوق سيدي البحري وخرجت
منه. توقّفت أمام طابور الصّابرات، استعرضت الملامح، حطّ خاطرها على واحدة منهنّ
ثمّ تجاوزتها إلى أخرى. سارت ذهابا وإيّابا وبين كلّ خطوة وأخرى فسحة من التّأمّل.
أشاحت إحدى ا لصّابرات بوجهها.
- أعوذ بالله.. أهذا رجل يرتدي لحاف امرأة! يا مرا يرحم والديك ابعدي من
قدّامي سدّيت عليّ هواء ربّي وقطعت عليّ باب ا لرّزق.
في السّاعة الواحدة فتح عمّار الباب.
جلس ليتناول فطوره.. سيطر عليه استغراب حين رأى أنّ الطّاولة قد أعدّت
لثلاثة أشخاص.
- خالتك عزيزة يا خالتك عزيزة.
سمع صوت باب المطبخ وهو يفتح ويغلق، أطلّت
خالتك عزيزة وبين إصبعيها سيجارة، لأوّل مرّة يراها عمّار على هذه الهيئة، سيطر
عليه الذّهول. قالت له:
- اليوم لديك ضيوف.
مالت بكتفها قليلا لتفسح الفضاء لفتاة سمراء ناهد طويلة القامة على شفتيها
ابتسامة خفيفة تكشف عن أسنان بيضاء كبياض الثّلج.
عبد القادر بن الحاج نصر
(للقصّة بقيّة)
تعليقات