اللاّمتسوّل
![]() |
اللّامتسوّل |
«إلاّ تونس»
العيد.. - ما أحلاه بابا العيد لمن
لا يعرفه -.. في السّابعة والثّمانين، يد مبتورة الأصابع والأخرى بدت أصابعها أطول
قليلا وأغلظ ممّا يستوجب الطّول والغلظ كأنّما الأصابع المبتورة حين قطعها له
عساكر فرنسا في السّنة الرّابعة والخمسين من القرن الماضي شهقت، قفزت، هربت
وامتزجت بالباقية فأشبعتها سمنا وطولا.
طويل الرّقبة ضخم الرّأس، عظام
الصّدر بارزة، غابة من الشّعر الأبيض تغطّي رأسه، مزيج من صوف الأغنام وقطن
المزارع، يسير على قدميه كأنّه يزحف على ركبتيه، غضب يتأجّج في العينين، التفاتات
متواترة يمينا ويسارا، لم تمرّ على الشّارب شفرة الحلاقة منذ زمن طويل.
إنّه يتنقّل على قدميه الغليظتين
كأنّه يزحف زحفا على ركبتيه، كأنّه آلة كاسرة أحجار.. يتمتم طوال المسير:
«إلاّ تونس»
****
سوق لافيات
****
- نسيتني؟
توقّف الرّجل متعجّبا، بحث في جيوبه.
- خوذ دينارين.
بدا باب العيد غير راض من خلال نبرات
صوته وتنهيدته.
- مقدّر عليّا ربّي.. ما ناخذ كان
بالنّاقص.
اختطف الدينارين وأدار وجهه.. أمسك
الرّجل بكتفه.
- قول بارك الله فيك.
أزاح العيد اليد عن كتفه.
- والله ما تسمعها منّي.
تراجع الرّجل إلى الوراء.
- اعلاه؟
أجابه بلهجة حادّة:
- تتبوهل! أنا متاع دينارين؟
ارتفعت حدّة لهجة الرّجل.
- تسالهوملي؟ ملاّ وقاحة!
قبض على طرف القميص بالأصابع الخمسة
الّتي بدت أطول بقليل من الأصابع العاديّة.
- بالحقّ متحشمش على روحك.. تاكل وتشرب
وتلبس وتشيّش، تتغدّى بلحمة العلّوش وتتعشّى بالحوت وغيرك ما عندوش عشا ليلة..
احمد ربّي ما خنقتكش طلّعتلك روحك.
انسحب الرّجل ولم يلتفت.. واصل بابا
العيد الطريق – ما أحلاه بابا العيد -
«ملاّ عباد.. ياكلو الدّنيا ويتسحّروا
بالآخرة.. يا خي منين يجيبو في الفلوس! حوفة وسرقة وغورة ورشوة.. الإدارات
فلّسوها، المعامل والمؤسّسات والوزارات قربعوها.»
اعترضته سيّدة في كامل زينتها تلوك
حبّة شوينقوم، تطرشقها تمصّها، تطبق شفتيها وتفتحهما غليظتين مطليّتين بالأخضر..
تعمّد الوقوف أمامها فتوقّفت زائغة العينين.. دفعته غاضبة، مدّ أصابعه الّتي بدت
أطول من الأصابع الآدميّة فشهقت.
- اسمعني يا مدام.. راني بنادم
نحلفلك بربّي راني بنادم ما عندي حتّى ذنب.. على خاطر تونس قصّلي الاستعمار
صوابعي.
أدارت رأسها في كلّ الاتّجاهات.. لا
أحد تستنجد به.
- ابعدني يرحم والديك.
- نتفاهمو.. الّلي باش تاخذ بيه
حمّير ولوبان وعطورات أعطيهملي.. ما تخافش باباك العيد ما يضيّع شيّ.
دفعته لا إراديّا بقوّة فلم يتزحزح.
- يا مجنون، يا مريض بعّد من قدّامي.
بدا على ملامحه جدّ وصرامة.
- ناس تسفّ في التراب، وانت واللّي
وكيفك ما تعرفو طرف خلاكم وين.. وخيّانكم والجواعة والمرضى آش يقوللهم باباك
العيد.. نقلّهم بح مات.
نزعت السيّدة فردتي حذائها وانطلقت
راكضة.. سار بابا العيد متمهّلا يزن خطواته مترفّقا متلطّفا بإسفلت الطّريق.
«توّ هذي مرا وتقول تونسيّة!»
****
شارع محمّد الخامس
****
ارتطم بأحد المارّة شابّ في الثّلاثين،
طويل وعريض، على العضلات وشم.. تمساح هنا وقرد هناك.
- ولدي.
وكزه الشّابّ بنظرة حادّة.
- آش تحبّ؟
- هات.
- آش نعطيك؟
- اللّي يهون عليك.
- ما يهون عليّا شيّ.
- يزّي بلا تجودير.
- عاود آش قلت!
أخرج بابا العيد يده من جيبه ومدّ
أصابعه في وجه الشّابّ.. قبض الشابّ على الأصابع وعصرها.. توجّع بابا العيد - ما
أحلاه بابا العيد -.. التوى انحنى، تقاصر حتّى انثنت ركبتاه.
- سامحني نحسابك ولد تونس.. نبصّر
معاك.
واصل الشّابّ السّير.. سوّى بابا
العيد قامته كما سوّى ثيابه، كما سوّى أطراف أصابعه.
«ولد الضّبعة.. لعنة الله على اللّي
جاب واللّي ربّى.. ما كنتش نظنّ ثمّه جمل هايج في شارع محمد الخامس.. عجب.. البلاد
استعمروها البانديّة.. أما خبزتي نطيّرها يحبّ اللّي يحبّ ويكره اللّي يكره.. راني
العيد وما أدراك.. ايحوفو على الملمّة واللّي ثمّة وأنا نتفرّج؟ لا.. فرنسا
شيّحتلها ريقها مازلت ما وصلتش العشرين.»
****
ساحة الحفصيّة
****
- هات.
- سلّفتني؟
- كحّ.
- آش تحبّ؟
- كول ووكّل يرحم والديك.
- هاو دينار.
- خير من وجهك.
- آش قلت؟
- ياخي أطرش ما سمعتش؟ خير من وجهك.
اقترب الرّجل من العيد مهدّدا، ثمّ
تراجع، ثمّ انصرف ولم يلتفت.
«خوّاف، عرف روحو ما ينجّمنيش.»
قطع مسافة قصيرة وتوقّف.
- أعطيني بايتي.
- آما بايتك؟
- الفلوس اللّي كنت تعدّ فيها منين
جبتها رزق الوالد؟
انصرف الرّجل، لاحقه بابا العيد
بنظرة عدائيّة.
«سكران ما يشوفش لمعة.. والجيب محشي
بالفلوس.. منين عندو هذا الكلّ.. سارق وبوه سارق.. لوبيات تنهب في البلاد.»
- اسمع يا سيّد.
- تكلّم فيّا آنا؟
- عاونّي.
- شايفني جمعيّة خيريّة؟
- انت عندك الفلوس وأنا ما عنديش.
- خوذ هاو دينار وفكّ.
- خير من منظرك.
- آش قلت؟
- منظرك خير من دينار.
«دينار! محسوب مزيّة.. يحمد ربّي
اللّي ما لفّيتوش بزوز كفوف.. النّاس معبّيه بالفلوس، قفاف، شكاير، صنادق والبلاد
فقيرة.. فلّسوها، دمّروها، ناوين يبرّكوها.. أما دوّيو ما ينجّموش يبرّكوها..
عندها صيوده، هاك النهار ما يفرحوش بيه، مالا لواه آنا عايش لتوّه؟»
- يا سيّد، يا محمّد، يا خويا.. ياخي
كيف تموت ويكفّنوك ويقبّروك توه تهزّهم معاك؟
- شبيك آش تحبّ عندي؟
- كحّ.
- يا بابا يظهر فيك مهبول مضيّع
العنوان.
- لا مانيش مضيّع العنوان أما طالب
فلوسي وفلوس المدمّرين.
- انت عطيتني فلوس؟
- كحّ ويزّي من الدوّه.. تسرق في الدّولة
وتاكل وحدك لا خايف من النّاس ولا خايف من اللّي خلقك.. وكّلني معاك.
- قداش تحبّ؟
- عشرة ولاّ عشرين.
- عشرين ضربة بدبّوس على جنابك..
الشّيب والعيب.
لوّح العيد بأصابعه في الهواء - ما
أحلاه بابا العيد - ارتمى الرّجل إلى الوراء.. زحف عليه بابا العيد وأمسك بذراعه
وغرز أصابعه في اللّحم الطريّ فتأوّه الرّجل.
- أنا الّي خرّجت الاستعمار وقت
اللّي جدّاك ما ولدتش بأمّك.. أنا خرّجت الاستعمار وانت تستعمرني؟
****
حي باب سويقة
*****
في ساحة المقهى على ناصية الطّريق
كأس شاي أخضر على الطّاولة أمامه وهو يتطلّع إلى الرّائحين والغادين.. بابا العيد
يترشّف على مهل.
«أولاد اليوم نحبّهم أما هوما ما
يحبّو حدّ.. أولاد اليوم طرا ونظافة أما ما يهنّوش مدربين شعوراتهم، محجّمين دور،
عاملين عروّج يرفرف على الجبين، ورابطين شعوراتهم.. لا بسين سراول مقطّعة مشرمطة
مّسخة والبنات الله ينصرهم ويحفظهم لمّاتهم وبيّاتهم.. يا ناري على باباكم العيد.»
سيّدة مسنّة اقتربت منه تتوكّأ على
عكّاز منحنيّة.
- يا مرا قدّم جاي.
اقتربت منه.. وضع في يدها بعض
النّقود.
- حلال عليك حرام عليهم.
تململ باب العيد في كرسيّه.. عدّل
جلسته.. الزّحام أمامه يشتدّ.. تبدّل الحال يا العيد.. سيّارات ودرّاجات ناريّة
تزعق وتنهق.. ما أحلاك يا حيّ بابا سويقة! ما أحلاك يا العيد! أما كبرت، كبرت أكثر
من اللاّزم.. الحمد للّه عينيك مازلت تشوف والسّنّين مازال فيهم بقيّة.. والرّجلين
الحمد لله.. مادام النّفس مازال يدخل ويخرج مازالت البركة.
متسوّل يسير متثاقلا مناديا بصوت
ضعيف.. نظر إليه بابا العيد.
- قرّب جاي.
دسّ في يده ورقة نقديّة.
- خير من وجوههم.. خوذ وقول يرحم هاك
اللّي جابو الاستقلال.. أما عصابة النّهب والكذب اللّي ما يحفظوش النّشيد الوطني
وكيف يتعدّو قدّام العلم، هاك العلم اللّي ماتت عليه الرّجال، ما تتحركلهومش
شعرة.. لا يكوّن فيهم، كلاب سوق، لبلاد يبيعوها للقورّة بصوردي.
مرّ الرّجل وبقي العيد يترشّف الشّاي..
أفرغ الكأس ممّا فيها.. طلب كأسا أخرى، ثمّ ثالثة ثمّ رابعة ثمّ خامسة على عدد
الأصابع.. ما أحلاك يا بابا العيد!
«والله وعهد عليّا ما نيش باش نموت
توّه.. قاعدلهم نقمة.. بلادي ما نسلّم فيها لحدّ.. انّحيلهم فلوسهم ونعطيها للّي
يستحقّ.»
دفع ثمن الشّاي.. جاست أصابعه في
جيبه، نفضه، أخرج باطنه وقلبه على ظهره.. الحمد لله.. شبعان ونبات شبعان وهوما
عمرهم ما يشبعو كونش بعصاة الذلّ.
غادر بابا العيد المقهى.. ما أحلاك
بابا العيد! والله ما أحلى منّك حد، عسل الدّنيا.. المشكلة ما عادش منّو ياسر..
بابا العيد يا بابا العيد وحدك.
مشى متمهّلا متمتما:
«إلاّ تونس».
عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات