شهقة

أمّهات غزّاويات



[من المحيط إلى الخليج لا أحد سمع ولا أحد رأى]


منال في الرّابعة والعشرين، غائرة العينين، ذابلة، خاوية البطن، محتضنة طفلا كالملائكة يكاد يغوص في عظام صدرها تسير في فضاء المستشفى الّذي زارته أكثر من مرّة وهي صغيرة غضّة ممسكة بيد والدتها.. والدتها الّتي ذهبت منذ أيّام وأوصت بأن لا يبحثوا عنها.. كفى بحثا عن الرّاحلين والرّاحلات.. ودّعت الجميع ضاحكة مستبشرة.. آخر دعواها:

«يا ابنتي منال حافظي على المفتاح فإذا حان لرّحيل لا ترحلي، استعصمي فالمفتاح في حاجة إليك وأنت في حاجة إليه.»

.. قبل ذلك زارت المستشفى وهي حبلى لمّا حسّت بحركة داخل الرّحم ولمّا تأذّن الجنين يريد أن يطلّ على الدّنيا قابلت الطّبيب على عجل وانصرفت تختلج فرحا.

«إنّه صبي.»

الآن بلغ أشهرا سبعة وزيادة.. قبّلته جدّته ألف قبلة وانصرفت.. انصرفت ولن تعود.

****

أطبّاء وممرّضون يتنقّلون.. وجوه شاحبة وعيون حزينة وأيد مطويّة وراء الظّهر، لا حبّة دواء، لا قطرة ماء، لا مبضع لإجراء جراحة مستعجلة، لا شيء للتّخدير، لا شيء لتسكين الألم.. أجساد ملقاة على أسرّة حديديّة بلا وسائد.. أجساد ممدّدة على الجليز المهشّم المشقّق منه ما تحوّل إلى تراب، ومنه ما بات كتلا مترامية.. أطبّاء يسيرون أشباحا، ظلالا.. شفاه ترتجف، وكلام منحبس في الحناجر.. ممرّضة ترتدي ميدعة تحوّل بياضها إلى بقع حمراء.. بقايا دم لزج على الصّدر والحواشي.. أطراف الجدران السّفلى اغتسلت بالدّم فهي لوحات فسيفسائيّة، وخربشة أطفال بأقلام الزّينة.. الأحمر القاني والأحمر الباهت والأحمر الممتزج بغبار البارود الّذي يأتي من كلّ مكان.. من الجدران ما امتلأت واجهاتها بالثّقوب ومنها ما هو جروح ومنها ما هو كسور.

أنين كأنّه حشرجة يتردّد صداه في أنحاء الفضاء.. أنين في أقصى الفضاء من سيّدة مشروخة الذّراع يصّاعد ثمّ تذوب ذبذباته في أنين آت من بعيد يرى ويشمّ ولا يسمع.

****

.. واندلعت الحرب.. يا حربا لم تشهد الدّنيا مثيلا لها! يا حرب أحزمة النّيران والعمارات الشّاهقة الموءودة! يا حرب التّجريف وقنص المهجّرين من البرّ والبحر والسّماء! يا سماء! ألم تشهد نجومك وأقمارك وشموسك شيئا؟ أما رأيت يا سماء قبرا بطول بلاد وعرضها؟

«بلادي حبيبتي أودعتك والدتي فاحتفظي بها في أحد حواشي القبر حتّى ألتحق بها.. اطمئنّي يا والدتي فالمفتاح سيظلّ بيدي بين اللّحم والعظم، بين الرّوح والرّوح.»

متعثّرة منال فواقفة تمسح بعينيها أركان المستشفى، تضمّ الطّفل الملائكة فيغوص في عظام الصّدر الجافّ.

«عطشان ولدي يا ناس.. من ترضعه لي؟ من امرأة تدرّ عليه قطرات حليب من صدرها؟ أمّه - أنا - شجرة جفّ جذعها وشاحت أغصانها.. أمّه - أنا - من تشتري منّي هذا السّوار مقابل رضعة واحدة.. إنّه من ذهب خالص.»

لا شيء، لا حركة، لا التفاتة، لا همسة، لا إشارة.. الأجساد مكدّسة والصّمت على الصّمت.. اصطدمت منال بما يشبه كتلة لحم ترتجف.. سيّدة اصطدمت بأخرى.. أغمضت عينيها باحثة عن دموعها تستدرّها.

«الدّموع وحدها قد تروي عطش الصبيّ.»

سيّدة ارتطمت بأخرى، كتلة بكتلة.

حنان الجالسة رفعت رأسها ومنال الواقفة انحنت.

لا شيء.

****

حنان هي الأخرى أتت المستشفى منذ ساعات تصطحب ولديها.. أحدهما في حضنها ورأسه يتدلّى كثمرة على وشك السّقوط، أصابعه منكمشة، قابضة على علم صغير لا تنفتح ولا ترتعش كأنّما العلم الصّغير خارج من بين العظم واللّحم.. الثّاني ممسك بذراعها يرهصها، يجذبها نحو الأسفل، يحاول أن يعدّل نسق خطواته وفق حركة خطاها.

وهي، لتدرك الطّبيب تضاعف السّرعة.. تجذب الهواء بقوّة لتختزنه في الرّئتين حتّى تستعين على التّعب.. تتلاشى فجأة قوّتها فتتعثّر، تنحني وتستقيم.. ينظر إليها الصبيّ مشفقا حزينا، يتشبّث أكثر بطرف الملاءة، يضع خدّه على حرير الملاءة ويمسح العرق.

كانت قد ارتمت داخل المستشفى وجالت بعينيها في الفضاء الواسع منقّلة النّظر بين الأجساد الملقاة على الإسفلت إلى أن انهارت على مربّعات الجليز المشروخة ولد بين أحضانها والآخر مقرفص بجانبها.

استفاقت لمّا تلقّت ركلة غير مقصودة من منال.

عيون أربع حائرة التقت في فضاء المستشفى.

****

«ولدي جروحه تنزف.. ولدي يموت.»

**** 

«ألا سيّدة حنون في صدرها حليب ترضع لي ولدي!»

****

يد حانية حطّت على جرح الصّبيّ.. ممرّضة على ملامحها قهر بكفّها المرتعشة مسحت على الجرح وأعادت عمليّة المسح عدّة مرّات ثمّ سحبت يدها واستوت واقفة كالشّجرة العارية بلا ورق وبلا ثمار.. لا ماء، لا دواء، لا إبر، لا ضمادات، لا مسكّنات ألم ولا حتّى دموع في المآقي.

صيحة شبيهة بحشرجة انتبهت إليها الممرّضة فالتفتت مذعورة.. سيّدة واقفة على وشك السّقوط بين ذراعيها رضيع تفحّمت وجنتاه.

«ألا سيّدة حرّة في صدرها حليب ترضع لي ولدي!»

اختطفت الممرّضة الرّضيع، احتضنته، قبّلت جبينه، مسحت بخدّها على خدّه، حدّقت فيه طويلا ثمّ أرجعته إلى أمّه وولّت هاربة. 

اجتهدت منال في رفع صوتها قدر ما أسعفتها رئتاها وحنجرتها:

- ألا أمّ ترضع لي ولدي؟ انظروا إنّه يحتضر، ينتفض، يتنفّس ببطء.. الرّوح تصعد إلى خالقها.. جرعة حليب أو شربة ماء لله يا أمّهات، يا سيّدات.

سقطت منال على ركبتيها.. ترامت إلى الوراء مستندة على مؤخّرتها.. الرّضيع في حضنها يتنفّس الهواء المثقل بالغبار ويستنشق رائحة الفسفور.

****

الواقفة جلست، والجالسة انكبّت على الولد في حضنها.

رأت منال فتاة ممسكة بكيس حليب فارغ قد تكون فيه رائحة الحليب أو بعض من طعمه ورائحته.. اختطفته من يدها، مزّقته، بقيّة من بياض قد يحمل ترياق الحياة.. تردّدت خائفة مرعوبة.. صبّت قطرات في فم الرّضيع.. تلذّذ الرّضيع طعم الحليب.. مصّ شفتيه وفتح فمه.. قطرة أخرى.. ابتسامة لاحت على شفتيه.. ترياق الحياة ينسكب مع قطرات من قاع كيس فارغ.. يا الله.. يا الله! يا الله!

****

حنان ما انفكّت تهدهد ولدها، تناجيه، تخضّه، تفتح له رموشه وتحدّق في عينيه.

- لحظة واحدة وسيأتي الطّبيب.. سيّارة الإسعاف أحسّها قادمة مملوءة بالمراهم والأدوية.. لن يتأخّر المسعفون والطّبيب على وشك الدّخول إلى فضاء المستشفى حاملا لوازم الجراحة.. سيخيط الجرح بعد أن يسري الخدر في كامل الجسد.. لن تشعر يا ولدي بألم أو أذى.

قرّبت ولدها المقرفص بجانبها يحدّق ولا يجرؤ على الكلام.. طلبت منه أن يطبع قبلة على خدّ أخيه.. التصق الصّغير بالصّغير.. قبلة وشهقة ثمّ قبلة ثانية وشهقة أخرى ثمّ قبلة فصمت.

خضّت الأمّ ابنها الممدّد في حجرها.

- من أجل أخيك لا تمت.. ابتسم، تكلّم، قل له إنّك ستنهض بعد قليل لتلعب في ساحة المدرسة، ستتصارعان كلّ منكما يريد الاستحواذ على العلم ليركض به أطول مسافة ويضعه في أعلى نقطة.

****

أسندت منال عظام كتفيها وظهرها على الحائط.. الولد يستسلم للنّوم ثمّ ينتفض.. رعشة تهزّه من أسفل القدمين إلى أعلى الرّأس إلى أسفل.. شفتان زرقاوان في لون مياه الشّاطئ الّتي طالما سبحت فيه.. رقبة تمدّدت واستطالت كشريط فيلادلفيا.. بشرة الوجه مصفرّة شاحبة كأشجار السّاحة الّتي نفخت فيها نيران القنابل الفسفوريّة.

- ألا امرأة في صدرها حليب؟ ألا ممرّضة تأتي بشربة ماء؟ هل أعصر دموعي وأسقيها لولدي؟ أرجوك أيّتها العين اعصري ماءك سأمسح به على شفتي الملائكة.

مرّرت طرف سبّابتها على مقلتيها.. بلل مسحت به على شفتي ولدها فارتجف.. تفتّحت عيناه ثمّ انغلقتا.

****

لا أحد سمع، لا أحد رأى أو أدرك أو فهم ما الّذي حدث.. انفجر السّقف والسّقف عريض عرض السّماء، وتهاوت الجدران والجدران في علوّ ناطحات السّحاب، وتزلزلت الأرضيّة فانفلقت حتّى عانق الخراب الخراب.

طلقات وفرقعة وزلازل.. من مات مات، ومن لم يمت سيموت.. الإسعاف آت ولن يأتي.

قبل كلّ شيء لا أحد يقترب أو يمدّ يده أو يلمس حجرا أو يسعف جريحا أو يغمض عيني ميّت أو يضع أطرافا مبتورة بجانب صاحبها إلى أن يستمتع الصّيّادون فلهم رغبة شديدة في تأمّل الدّماء تنزف وتجري.. جميل لديهم مشهد الرّكام على الأجساد والأجساد على الأجساد والأطفال يمسحون الغبار عن وجوههم بأكفّ مضرّجة بالدّماء.. صيّادو الأطفال يتفرّجون ويدخّنون ويقهقهون، يفعلون ما يشاؤون. 

الصيّادون يحاصرون الرّكام وما تحت الرّكام وما فوقه فلا أحد يقترب إذ ما زالت لحظة الضّحك متواصلة فالصّيّادون لم يشبعوا متعة.


عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد