قصّة: زهرة البِركة

صورة من قلب حرب الإبادة

[من وحي خذلاننا نحن العرب]

رأتها بركةُ الماء هذا الصّباح والشّمس ترسل أشعّتها وتسحبها تاركة خيطا من سحاب ينشر ظلّه على صفحة الماء.. الطّبيعة حزينة فهي ترتعش، ورغد عطشانة شاح ريقها، انكمشت أمعاؤها، جفّ لسانها وشفتاها.. شربة ماء ليس أكثر.. غرفت حفنة ولعقت الماء الّذي اصفرّت طبقته.. طعم التّراب والرّصاص ورائحة أجساد متعفّنة.

لعقت رغد، مضمضت، انفتحت شفتاها فتدفّق الماء وعاد من حنجرتها إلى البركة.. تأفّفت وشهقت.

حرّكت الرّيح الكوفيّة الّتي تلازم كتفي رغد.

سوّت رغد الكوفيّة.. ربطت طرفيها على صدرها حتّى لا تفتكّها منها الرّيح.

ثماني سنوات.. أشعّة الشّمس تطلّ وتختفي.

ما للسّماء ابتلعت سحبها!

ما للسّحب جفّ ماؤها!

ما للرّيح استحوذت على الرّطوبة فتحوّل المحيط إلى فرن من الجمر الملتهب!

مرّت بخاطر رغد تلك الغمائم الّتي كانت تغمر حيّ الزّيتون تعصر ماءها وترسله مدرارا.. كانت كلّما مرّت فوق الحيّ انهال القطر وجرت السّواقي.. تندفع رغدة حافية تقف وسط السّاقية وهي تتدفّق.. قدماها بين الطّين والماء.. تغرف حفنة وراء أخرى وترشّها على وجهها، ترفع رأسها، تحدّق في الغيمة السّائرة فوق البنايات وتضحك.. تضحك ثمّ تضحك ملء رئتيها.

بركةُ الماء هذا الصّباح الحارّ التقطت صورة لرغد ستبثّها للغيوم البعيدة العابرة.. خصلتان من شعرها الأسود ملطّختان بالطّين الأسود المتفحّم، التصقت إحداهما بجبينها والأخرى بخدّها.. الجبين أبيض شاحب والخدّ امّحى بياضه فأصبح بين لونين طين أسود وطين ترابيّ.

مدّت رغد ساقيها الصّغيرتين، أغطست قدميها في البركة.. حاولت أن تتلذّذ البرودة.

قبل ذلك، باكرا باكرا باكرا، قبل الضّياء والضّوء، في عتمة اللّيل، شاهدت البركةُ أمّ رغد تفتح الباب، تطلّ بحذر شديد وتلتفت وراءها بحذر أشدّ وهي ممسكة بطرف الباب وعلى ملامحها فزع شديد.

ظلّ ماء البركة يترجرج، ينتفض، يتفجّر من الأعماق، تتأوّه حركة المدّ والجزر في دائرته الضّيّقة.. أمّ رغد حاملة سطلا فارغا يتدلّى من يدها اليسرى بينما اليد اليمنى على صدرها كأنّها تقبض على قلبها.

قبل أن تغلق الباب اختلست نظرة على ابنتها رغد الغارقة في سبات يلفّها كأنّه دوّارة ريح.

لمّا أسبلت أمّ رغد رموشها متهيّئة للانصراف فتحت رغد عينيها بصعوبة.. لفحتها هبّة ريح حارّة.. أنفاس من عطش.

لم تحرّك رغد ساكنا بينما انصرفت الأمّ وظلّ الباب منفرجا.. تركته هكذا عمدا حتّى إذا عادت بالسّطل ملآنا لم تضيّع وقتا في معالجته.

انكمشت شفتا رغد، تقلّصت ملامحها، تيبّس لسانها، فقط بعض من أنفاس ضعيفة وبعض من نظر يتثاءب جاهدا بين الرّموش.

عطشانة رغد.

عطشانة تشتاق لشربة ماء.

العطش يجفّف فيها كلّ شيء.. البشرة والعروق والأوردة.. لاح في الخاطر قميصها المزركش معلّقا في حبل الغسيل تعبث به الرّيح الحارّة يتقاطر ماؤه غزيرا.. سترفع رأسها وتفتح فمها لتسقط القطرات على لسانها.. جفّ القميص فلا ماء ولا بلل ولا رطوبة.

****

مرّت ساعة.. رغد لا تدري ما السّاعة ولا ما الدّقائق.. جريان دقائق السّاعة المعلّقة على الجدار تراها ولا تتبيّن حركتها.. الضّباب أو ما يشبه الضّباب أو ما تتخيّله ضبابا يسدّ المسافة بينها وبين السّاعة المعلّقة.. العطش في الحنجرة، عطش العصافير الصّغيرة في صحراء النّقب.. عطش طيور الماء على شطآن غزّة.

شاهدت بركةُ الماء الرّاكد من فرجة الباب رغد ترشق مرفقها على البساط وترفع رأسها، ترشق ركبتها الأولى فركبتها الثّانية، تمدّ رقبتها فيميل الرّأس يكاد يسقط، يزداد الثّقل على الرّقبة.. ترشق كعب قدمها وتتطاول، تتطاول رغد وتتطاول نحو السّقف، تكاد تبتسم، تكاد الحركة الغريبة تضحكها فقد كانت تقفز من فوق البساط بخفّة القطط.. الآن أصبحت كومة ثقيلة مترهّلة.

نهضت رغد، غادرت البساط، أطلّت من فرجة الباب شاهدتها بركة الماء تركّز نظرها على كرمة العنب، تطبق رموشها وتفتحها فتحطّ حبّات العنب الخضراء على كفّيها الصّغيرتين، حبّات ضئيلة كحبّات القمح، كحبّات السّمسم، حبّات كقرية نمل متحرّكة.

قطفت رغد حبّات العنب الأخضر، عصرتها على لسانها.. الطّعم حامض ومرّ.. تقزّزت، ألقت من فمها ماء حبّات العنب على الأرض.. مسحت بكمّها على شفتيها وعلى لسانها.

تقزّزت أكثر فعضّت شفتها بقوّة.

****

انعكس طيف رغد على صفحة الماء.. وضعت ذراعها على جبينها وحاجبيها لتحجب أشعّة الشّمس الحارّة.

شاهدتها البركةُ تثني ركبتيها، تحرّك ساقيها الصّغيرتين الغضّتين اللّتين دبّ في بشرتهما النّحول.. تنهّدت متلذّذة برودة الماء الرّاكد المتعفّن.. قد تتسرّب البرودة عبر المسامّ، تخاتل يبس الجسد، تتسلّق عبر الأوردة إلى الحنجرة.. سيذوب طعم اللّحم المتعفّن وتتبخّر رائحة قطّة نافقة بين اللّحم والعظم فلا تصل إلى الأنف.

خرجت أمّ رغد.

لماذا لم تعد أمّ رغد حتّى الآن.. «ما لك أمّي؟»

شاهدت البركةُ في الظّلمة الحالكة أمّ رغد تبتعد باحثة عن الماء.. ابتعدت ولم تعد.

«لا يمكن لأمّي أن تتركني، لا بدّ أن تعود بالسّطل ملآن بالماء أو بالغلال الّتي تطفئ العطش.. حتّى لو أصابتها رصاصة، حتّى لو طعنها جنديّ بسكّين في صدرها فستعود بالسّطل ملآن.. حتّى لو ماتت.. لعلّها ماتت.. لكنّها ستعود.»

أمّ رغد هي الأخرى عطشانة.

«لن تتركني قبل أن تسقيني حتّى أرتوي ثمّ تصبّ الماء على شعري فتزيل الوحل، وعلى جسدي تحكّ ظهري وصدري وساقيّ بحكّاكة القماش الغليظة فتطهّرني.. لو ماتت.. فلنفترض أنّهم أصابوها فستنهض متخبّطة في دمائها وتأتي مسرعة إليّ.. قالت لي إنّ الله يحفظ الأمّهات اللّاتي لديهنّ صغيرات من كلّ مكروه حتّى من رصاص الأعداء.»

****

شاهدت بركةُ الماء رغد تنسحب متشنّجة متعثّرة ملتوية مصرورة في كوفيّتها.. خطوات معدودة وتوقّفت.. أدركها التّعب والشّمس حارقة.. مدّت يدها وحاولت فتح كفّها لتحجب الأشعّة.. ارتخت اليد فلم تطاوعها.. شاهدتها البركة تتلوّى.. رغد الجميلة تطوّح بها الرّيح.. تلفّتت نحو الباب واتّجهت إليه، خطوة إثر خطوة.. ما أثقل قدمي رغد الصّغيرة.. رأت أشباحا كالظّلال.. ارتجفت من الخوف.

«لا تخافي يا رغد.»

«كيف أخاف ستسبق أمّي الجميع، تحتضنني، تضمّني وتدخل بي إلى المنزل ثمّ تغلق الباب، تصبّ الماء في فمي، ماء حلوا سلسبيلا من الحنفيّة العموميّة.»

لكنّ أمّ رغد أبطأت.. أبطأت وستدركها شاءت الأطياف أم لم تشأ.. ترى من أسرع من أمّ رغد؟ إن كانت تفصلها عنها مسافة شاسعة ستستعير جناحي بُراق وتصل إليها قبل وصول الأطياف.

شاهدت بركةُ الماء منعكسا على صفحتها شعر رغد تموّجه الرّيح وخصلتين معفّرتين بالطّين إحداهما ملتصقة بالجبين والأخرى بالخدّ.

على صفحة البركة تمايلت الظّلال، ارتعشت الأشعّة كأنّها أسلاك كهربائيّة.. أطياف، كتل من حجر، ظلال ترتطم فتحدث أصواتا مفزعة ترتجف لها صفحة الماء.. وعلى سطح الماء وجه رغد وأطراف رغد ورغد الطّفلة الغضّة الصّغيرة النّحيلة العطشانة يخضّها الماء فتختلط بالحجر والطّين والخشب والحديد.

غاب سطح البركة عن عين الشّمس واختفى الجسد والأطراف.. شعرها وعيناها ووجهها.. شيء من رغد تمرّد على الزّلزلة، تحدّى الانفجار.. عين الشّمس شاهدت شعر رغد الأسود وعينيها السّوداوين وخدّيها وأصابع يدها اليمنى.. ستأتي أمّ رغد.. إنّها آتية مادامت قد سمعت دويّ القنبلة.. من لم يسمع دويّ القنبلة؟ رأت سقوط مربّعات السّكن والجدران والمنزل.. أمّ رغد آتية تسابق أشعّة الشّمس والسّطل يتدلّى من يدها ملآن بالماء الزّلال.

ما أثقل كتل الإسمنت تحيط برغد! ما أفظع رائحة البركة! نتن طعم الماء المتعفّن الملوّث ببقايا الحيوانات النّافقة.

عطشانة رغد.. شاح اللّسان، وشاحت اللّهاة، وشاحت الحنجرة.. العينان تدوران، تجوسان، ترتجفان كورقتي كرمة العنب.. تنطبق الجفون على بعضها ويسود الصّمت.

شاهدت الشّمسُ البركة وكتل الإسمنت والطّين تنهال على بعضها، وتحيط برغد وتطمس الماء المتعفّن، وشاهدت بعض شعر رغد يموج بين لوحي خشب، بين كتلتي إسمنت.. أمّ رغد قادمة ستلمّ شعر ابنتها وتسوّيه ضفائر.

الشّمس متلألئة تغمر المكان.. شاهدت الشّمس شبحين يقتربان وينتصبان على حاشية البركة الّتي اختفى ماؤها.. يتأمّلان، يتردّدان، يتقدّمان، يتأخّران، يتبادلان النّظر.. يتساءلان:

- يااااه ها قد وضعها الربّ في طريقنا مائدة من السّماء.

- تبدو بيضاء كتمثال من الشّمع.

- طبعا.. ثمرة ناضجة، تفّاحة فوّاحة.

- وردة نبتت في قلب البركة، شربت ماءها وتسلّقت الهواء بين الصّخور.

- ننتشلها من بين الصّخور ثمّ.. يا عيني.

- ثمّ.. يا ليلي.. نشمّها ونأكلها.

- أنا الّذي عثرت عليها فهي لي.. أشبع منها وأتركها لك.

- كذّاب.

- نتّفق.

- صغيرة كزهرة الأقحوان.. انظر، تأمّل جبينها وعينيها وأطراف أصابع يدها.. هل رأيت تقويسة حاجبيها، وذاك الأنف ما أرقّه!

- الشّفتان ترتجفان.. ألا ترى أنّها حيّة.. يا الله!

- المهمّ أن نقتسمها شطرين، شطر لي وشطر لك.

- كأنّك نسيت مضمون الوصيّة.. القتل ولا شيء غير القتل.

- لن يرنا أحد.

- العيون السّاهرة المترصّدة في السّماء وتحت الأرض.. أوووف طلقة واحدة ونذهب في حال سبيلنا.

- لا.. لا يجوز.. إنّها تحتضر.. ما الّذي سيحدث إن أغمضنا أعيننا ومررنا مرور الكرام؟

- إن بقيت هذه الغزّاويّة حيّة فستكبر.. هكذا تقول الوصيّة.. وحين تكبر ستتزوّج وتلد أطفالا، والأطفال يكبرون ويصبحون إرهابيّين.

- تمهّل قليلا لا تطلق الرّصاص فهي ميّتة لا محالة.

- إنّها لن تموت إلاّ بالرّصاص الحيّ فإن ردمت حيّة تحت أطنان من التّراب ستطلّ عند بزوغ الشّمس برأسها كالأفعى من تحت الأنقاض.. إنّ أنفاسها لن تنقطع فهي من جنس يتنفّس تحت التّراب.

- إنّها الآن متحنّطة مثل خشبة يا أبله.

- خشبة أو صخرة.. قد تبدو كذلك لكنّها ستعود إلى الحياة حالما تبتلع شربة ماء.. لا تنس الوصيّة يا أبله.

- لم أنسها ولكنّني لن أضيّع رصاصة على خشبة.

- جبان متخلّف.. لست ابن أمّك وأبيك.

****

ارتجفت الصّغيرة بين لوحي الخشب.. فتحت رموشها مغالبة أشعّة الشّمس.. رفّت شفتاها.. شفتان تشقّقتا من العطش.. تأوّهت رغم تكلّس الحنجرة.. أدارت رقبتها رغم ثقل الإسمنت والتّراب.. التقت عيناها بعيني الطّيف.. نظرة مكدودة ورؤية غائمة.. أمّ رغد قادمة حاملة الماء في كفّيها.. غرفة ماء واحدة ستجعل الرّطوبة تسري في كامل الجسد وستعود الحمرة إلى الخدّين والصّوت إلى الحنجرة.. ستنادي فيتردّد الصّدى في أنحاء الحنجرة:

«أحبّك يا بلدي ولن أغادر حيّ الزّيتون.»

أمّ رغد على بعد أمتار تنصت إلى النّداء وتسرع الخطى.

هي ذي أمّ رغد واقفة تنظر إليها، تمدّ يديها، تبسط كفّيها.. الآن أصبح الماء رذاذا يبلّل وجهها ويندفع في فمها سلسبيلا لكن مع بعض من ملوحة وبعض من طعم البارود وبعض من لهب الرّصاص.

****

- رصاصة واحدة لا تكفي أيّها الغبيّ.

- هذه رصاصة أخرى.

طلقة وراء أخرى.. افترّت الشّفتان الغضّتان عن ابتسامة.. ما أجمل رغد وهي تبتسم!

«يا رغد الجميلة، يا ابنتي الصّغيرة أنت الآن مسافرة، أنا وإيّاك مسافرتان جنبا إلى جنب حيث نبع الماء الزّلال.. تشجّعي، تماسكي، واصلي السّير.. الماء على بعد ذراع، افتحي فمك.. الماء على مسافة شبر.. افتحي فمك وأغلقيه لآخر مرّة فستسري البرودة في الجسد منعشة وسيتبخّر العطش ويسود الصّمت.. ما أروع الصّمت في المحيط!»

سكن كلّ شيء إلاّ الكوفيّة ظلّت تلوّح بأطرافها للعابرين.

«أنا هنا.»

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد