قصّة: موّال الصّبر (2)

قصّة:
موّال الصّبر (2)

 رابط لقراءة موّال الصّبر (1)


 بهيجة صبيّة الرّابعة عشرة واقفة أمام المرآة.

ضفيرة وفولار.. الضّفيرة سوداء شديدة السّواد والفولار بنفسجيّ تشقّه خطوط بين زرقة وسواد فاتح، عينان صافيتان واسعتان بريئتان كعيني غزالة، البشرة بيضاء والصّدر بدأ نباته يعشوشب ويخضّر، القامة لا طول مفرط ولا قصر.

حرّكت ضفيرتها وسوّت الفولار.

اليوم سيجتمع أصحابها وصاحباتها لاختيار أجمل صبيّة في نوادي المصائف والرّحلات.

اختطفت محفظتها وهمّت بالخروج، أوقفتها الصّورة العزيزة على قلبها الّتي احتواها الإطار الفضّيّ.. أبوها وأمّها في لباس العرس.

الأمّ رحلت، عضّت الصّبيّة على شفتها السّفلى، والأب يقطع السّباسب يروّض شاحنته على قطع المسافات الطّويلة وهو يرفع صوته بموّال الصّبر.. أشرقت عيناها بالمحبّة وحبست دمعتين استفزّتا الجفون الملائكيّة.

طلعت الشّمس والمسافة بين المنزل والمعهد ساعة على الأقدام.

****

اطمأنّت نفس عبد الله.. السّحاب تفرّق قطعا ثمّ تلاشى، لا خوف من سيل جارف يباغت السيّارة والماشية ويهدّد المحاصيل.. رفع صوته بالغناء وهو يقترب من سوق الأعلاف، خفّف من سرعة الشّاحنة وظلّ يخفّفها حتّى توقّفت وكفّت عجلاتها عن الأزيز، أمسك بالقارورة وصبّ في جوفه ماء زلالا، الشّمس تسلّقت صفحة السّماء على مهل فغمرت أشعّتها ساحة السّوق، إنّه منتصف النّهار.

أفرغ الحمولة وغادر السّوق.

****

منتصف النّهار، غصّت ساحة نوادي المصائف والرّحلات بالصّبيان والصّبايا.. داروا حول بعضهم، رقصوا غنّوا وصفّقوا، تحلّقوا، تلصّصوا، حدّقوا، تشاوروا أزواجا وجماعات.

«من من بين المترشّحات أشدّ جاذبيّة، من السّاحرة، من الفاتنة.. هذه جميلة جدّا لكنّه جمال بارد، وتلك جميلة لكنّها مفرطة السّمرة، وهذه ما أجملها لولا الطّول والنّحافة، وتلك جميلة لكنّ تصفيفة شعرها خالية من لمسة فنّيّة، وهذه جميلة لولا أنّ شفتيها غليظتان وأنفها دقيق جدّا، وهذه جميلة لولا أنّ ساقيها نحيلتين، وتلك جميلة، غاية في الجمال، لولا أنّ لباسها غير متناسق.»

****

تلبّدت السّماء وزحفت الغيوم الدّاكنة آتية من الشّمال إلى الجنوب.. شاحنة عبد الله تواجه الرّيح العاتية، قطرات المطر الغليظة تبلّل الطّريق، سال الماء على الحواشي، ضغط على الدّواسة فتضاعفت السّرعة ثمّ سرعان ما رفع قدمه عن الدّواسة لتخفيف السّرعة وملازمة الحذر.

تقاطر الماء من السّماء غزيرا متواصلا.

الطّريق في شعاب الجبل تتلوّى، تضيق وتتّسع وتمطّط، بين رمشتي عين وأخرى تتسلّق الشّاحنة المرتفع وتنتفض لتنزل إلى القاع والماء يسابق العجلات.

«لا شكّ أنّ رجال الثّورة الأشاوس قد أصلحوا الطّريق ووضعوا العلامات المنبّهة.. رجال الثّورة الأشاوس لا قبلهم ولا بعدهم.. لكن يا الله لا أشغال ولا علامات منبّهة.. كلّ شيء كما كان قبل الثّورة.. يا الله ألطف بعبادك، ارحمني وارحم هذه الشّاحنة إنّها زوجتي الّتي أقسمت أن لا أدخل عليها زوجة أخرى.»

أخرج صورة بهيجة وتأمّلها.. صبيّتي، قرّة عيني، دنياي الجميلة.

****

الثّالثة بعد الظّهر، سائرة على حاشية الطّريق تغنّي، الفرح يخفق على المحيّا.. منذ وقت قصير حملوها فوق الأكفّ وردّدوا أهازيج الطّرب.. بهيجة سلطانة نوادي المصائف والرّحلات.. بهيجة السّاحرة الفاتنة أجمل الجميلات.

قطرات مطر ترشّ الطّريق فتزيده بهاء.. قطرات قليلة متناثرة متباعدة متقاربة تبلّل وجهها.. نزعت فولارتها وغطّت بها صندوق المرطّبات الّذي تسلّمته جائزة من إدارة الحفل.

هرولت لتدرك المنزل في أقرب وقت ولتستقبل أباها وتعلن له الخبر الّذي سيهزّه فرحا ونخوة.

«جميلة الجميلات ابنتي، سلطانة السّلطانات ابنتي أنا.»

****

الخوف يسري في كيانه، ما من مرّة في أسفاره الكثيرة أصابته مثل هذه الرّعشة.. كلّما انتظر أن تنقشع السّحب ازدادت كثافة والماء ينصبّ على بلّور الشّاحنة غزيرا.. كرات بياضها من بياض الماء تتساقط على الواجهة تكاد تهشّمها وتحجب ملامح الطّريق.

رفع صوته مردّدا موّال الصّبر، أعاد صورة الصّبيّة إل موضعها.

«إنّها الآن تعدّ له وجبة العشاء.. الحساء الحارّ كما يحبّه ويشتهيه، حساء وخبز الطّاحونة وكأس كبيرة من الحليب الطّازج.

«لا مجال للتّوقّف.. الكرّات الثّلجية البيضاء تحجب الرّؤيا ومسّاحات البلّور تدفعها يمينا ويسارا والطّريق يتلوّى بين الشّعاب صعودا ونزولا.. لا علامات ولا إشارات منبّهة.

«ابنتي حبيبتي.. انتظريني ها أنا قادم.»

واصل الغناء بصوت مرتفع.. أليس موّال الصّبر هو الصّاحب والرّفيق في الطّريق.

****

قربت ساعة العودة فلن يتأخّر عبد الله أكثر ممّا تأخّر، وضعت بهيجة خبزة المرطّبات على الطّاولة وأحاطتها بالشّموع.. الآن! لا! سأنتظر قليلا ثمّ أشعلها واحدة بعد أخرى حتّى لا تستنفد زيتها ونورها.. حين أستمع إلى أزيز عجلات الشّاحنة تحتكّ بأرضية ساحة المنزل سأقدح الثّقاب وأشعلها جميعها، بعد ذلك أقف في الباب لأراقب أبي ينزل من الشّاحنة مبتسما محيّيا.

يخفق قلبها وتتورّد وجنتاها.

«أنا السّلطانة ابنتك.. أصبحت سلطانة بلا منازع.»

عبد القادر بن الحاج نصر

جويلية 2020

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد