عجبي، أنا ومدينتي الأميرة

أنا ومدينتي الأميرة

يعلم الرّجل أنّه عاشق وأنّ العشق ليس جديدا في وجدانه فهو إكسير الحياة، وهو الهواء والنّور والماء لكّنه لا يدري كيف اجتمع كلّ هذا الكمّ من الحبّ في قلبه في هذه اللّحظة بالذّات كأنّما أيّامه الماضية الّتي توزّعت بين المدن وفي المدن وعلى الأنهج والشّوارع والأرصفة وأبواب الدّكاكين.. كأنّما أيّامه ظلّت تختزل كمّيات العشق لتغمره في لحظة معيّنة، لتسكنه، لتستقرّ فيه لتأسره وتحكم إغلاق الأبواب والنّوافذ فليس له أن يفكّ القيد ولا أن يتجاوز حدود المكان ولا أن يكسر طوق الزّمن ولأنّه كذلك فإنّ نار العشق تظلّ مضطرمة داخله محيطة ألسنتها به وهو داخل حدود المدينة الأميرة وهي في داخله.

منذ أن عرف المدينة الأميرة قبل أن يولد وبعد أن ولد وبعد أن طوته مدن وطرق وأقوام والإحساس بالخوف يؤرّقه أفلا يمكن أن يجد نفسه ذات يوم بعيدا عنها وهي بعيدة عنه؟ ألا يجوز أن تأخذه قوّة ماحقة إلى سواحل مدن أخرى وأسوار مدن أخرى ليس بينه وبينها رابط مقدّس فيصبح الحضن الّذي طالما ما نام فيه واستيقظ شهقة في الصّدر وغصّة في الحلق؟ ليس غريبا إذا ما أشاحت المدينة الأميرة بنظرها عن عاشقيها وتكتم ابتسامتها في ثنايا ملامحها وتطبق الشّفاه فيموت الكلام وتتجمّد الإشارة.

للمدينة الأميرة أسرارها ولها حالات وأزمان فهي مثل السّماء إذا شاءت أغدقت ماءها وإذا شاءت احتفظت به، وهي كالشّمس إذا شاءت أرسلت نورها وضياءها على الكون وإذا شاءت احتفظت بهما، وهي كالقمر والنّجوم والكواكب تنفتح إذا شاءت على المحيط ضياء وبهجة وإذا شاءت غابت وراء السّحب والغيوم، وهي كالأرض إذا شاءت اهتزّت وربت وغطّت الدّنيا اخضرارا ونوّارا وإذا شاءت احتفظت بما فيها.

لكنّ المدينة الأميرة الّتي قد تشاء ذات زمن أن لا تفتح أحضانها وتكتم في الملامح ابتسامتها فإنّها لا تعلم أن لا مفرّ لها من أن يعود إليها الحنين في لحظة لا تدريها ولا تتوقّعها فينتفض في قلبها مارد الحبّ والمحبّة والعشق، ترجّها الشّهقة المقدّسة، تفتح أحضانها وترتجف الملامح بابتسامة لا يعرف عذوبتها غير عشّاق المدن.. المدن الحبيبة الدّافئة دفء الأحضان القلوب.

عبد القادر بن الحاج نصر

أفريل 2016


تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد