أمّة زرقاء

أمّة زرقاء
عبد القادر بن الحاج نصر

 

- عندي قدّاش نستنّى، كلّ يوم يقولولي غدوه نقابلك، ما سهّل ربّي كان اليوم.

- والله العظيم، يا راجل! توا هذي أمّة!

 تململ على الفوتوي متلذّذا ليونة الموبّر وأسدل أهدابه وأرخى أطراف شفتيه، وحدّق في الرّجل الجالس أمامه، دغدغه مرح بانبهار هذا الأخير بمحتويات المكتب، اللّوازم المرصّفة، لمبة الضّوء المنحنية، الضّوء المتنقّل من بقعة إلى أخرى، الطّاولة الجانبيّة الّتي وضعت عليها الهواتف، فنجان القهوة وكأس الماء والصّحف الموضوعة فوق بعضها بحسّ فنّيّ راق، اللّوحة المعلّقة على الحائط رسم يعود إلى سبعينات القرن الماضي يجسّم مشهدا من المدينة العتيقة لرسّام مشهور.  لقد أعدّ المكتب خصّيصا له بإشراف السّكرتيرة المتخصّصة في الشّؤون الإداريّة والعلاقات العامّة وهي جميلة جذّابة إلى جانب مميّزات أخرى متعدّدة.  منذ أن شغل هذا المكتب الأميريّ وهو يحاول أن يفهم مشاغل هذه الأمّة العجيبة من النّاس، لا شيء يرضيهم، لا شيء يكسب ودّهم، لا شيء يفعل فعلا في عقولهم، أمّة بلا رأس لا تعرف الصّبر ولا القناعة فلماذا لا يهتمّ كلّ ذي شأن بشأنه الفقير بفقره والغنيّ بغناه والمريض بمرضه والعاطل ببطالته! لماذا يصبّون همومهم وتعاساتهم على اللّفيف الجديد الّذي يسعى إلى البناء والإصلاح والنّهوض، إنّهم يعلمون أنّ هذا اللّفيف القادم من بعيد لن يفهم الأحوال العامّة إلاّ بعد أربع أو خمس سنوات وربّما أكثر، حال البلاد مهدّدة بالانهيار والأموال المودعة في الخزائن هبطت إلى القاع.  كان على هذه الأمّة من النّاس أن يمهلوا اللّفيف الجديد مساحة محترمة من الزّمن ليقف على حقيقة الأمور، وخلال ذلك يرتّب كلّ واحد أموره الشّخصيّة فيتلذّذ مرتّبه العالي ويبحث عن التّخريجات الماليّة الّتي توفّر له إضافات هو في حاجة إليها وقد قضى جزءا كبيرا من حياته خارج الأحداث: اليوم وقد وصل إلى هذا المكتب من حقّه أن يتنفّس الصّعداء وينعم براحة البال.

 كان الرّجل جالسا أمامه وكأنّه غير جالس وكان يملأ المكان بجثّته الضخمة وكأنّ المكان شاغر، لقد نسي أنّه كان يتحدّث إليه، ذهبت به الأحداث خارج الزّمان والمكان، استفاق على صوت الرّجل:

- سيدي، ما فهمتش علاش معطّليني قدّاش من شهر على حاجة ما عندها حتّى معنى؟

- يا والله! توّا هذي أمّة!

- لا، وآنا كلّ يوم نصبّحلهم. الحق هوما يضحكولي، ومرّات يقولولي تحبّش قهوه، وينصحوني يقولولي أرجع غدوه على خاطر سيادتك مسافر.  

- والله العظيم يا راجل! توّه هذي أمّة!

- ما يهمّش قابل وراضي، المهمّ قلتلهم ما طالب شيّ، حاجة بسيطة ما تتسمّاش.  

- والله العظيم يا راجل! تو هذي أمّه!

- أنا يا سيدي ولد باب الله نحبّ بلادي، وحتّى إنت نحبّك والله نحبّك من غير ما نعرفك، قلتلهم الدّنيا فيها الموت. زعمه كيف غدوه نموت وما نقضيش قضيتي موش تخسروني وتخسرني الدّوله؟ سكتو ما جابونيش.  

- ملاّ أمّه زرقاء!

- أما ما نكذبش وعدوني باش يشوفولي حلّ معاك لكن طوّلو ياسر يا سيدي.  

- والله العظيم! توّه هذي أمه!

- إنت واحد من النّاس كان علموك، صلّي على النّبي عليك، راك بجرّة قلم حلّيتلي مشكلتي، العيب فيهم.

- ملاّ أمّه! توا هذي أمّه!

- ضربت أخماسي في أسداسي قلت ما نسلّمش في حقّي كان لزم نضرب بالبونيه وإلاّ بالكرطوش ندخل حتّى في عصابة الإرهابيّين، آش بيه آش خاسر؟ هوما إللّي صعّبوها وهي ساهله، ما أسهلش منها.  

- يا والله أمّه! والله العظيم يا راجل! أمّه زرقاء!

- فهمتني توّه؟

- ما قدّمتليش روحك؟

- روحي! مواطن عادي لا خايف لا طامع.

- جبت مطلب؟

- أعلاه المطلب!

- باش نعدّيه الفوق.  

- قتلك ما طالب شيّ حاجة ما عندها معنى، آش مطللّعنا الفوق؟

- ما دام طالب حقّك أطلب اللّي تحبّ..  أما ماو تعرف الميزانيّة..  آشبيك راي أمّه..  أمّه زرقاء، خلّوها قاعا صفصفا.

- بجاه ربّي قلّي وبرّدلي على قلبي، فلوس المخلوع هاك المرصّفة ستايف ستايف، جبل فلوس، الحسّابة عيوا يحسبوا ويعاودوا..  الشّيّ يغني بلاد، تنجّم تقلّي عليها وين؟ راني نحبّ نطفّي ناري قبل ما نموت.  

- والله العظيم يا راجل! ملاّ أمّه! أمّه زرقاء! امّه!

عبد القادر بن الحاج نصر

جويلية 2014

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد