أنا في العاصمة

أنا في العاصمة

 أنا عبد القادر بن الحاج نصر، أنا المفتون بقراءة الشّعر والجالس كلّ صباح أكتب النّصوص السّرديّة، وجدتني في قلب العاصمة كالطّائر الّذي عاد إلى وكره بعد غياب.

تونس العاصمة كما هي، البناءات والمقاهي والمؤسّسات والإسفلت والأرصفة والشّجر الظّليل الّذي يتوسّط شارع الحبيب بورقيبة: كلّ شيء كما هو بناية وزارة الدّاخلية والكنيسة وسفارة فرنسا وأقواس باب البحر ومقهى باريس والكوليزي ومكتبة الكتاب ومحطّة القطار - تونس المرسى -.

كلّ الموجودات السّاكنة ثابتة مستقرّة كما عرفتها دائما منذ أواخر السّتّينات لكنّ الموجودات، الوجوه والملامح تغيّرت.

وجوه اندثرت وأطياف كذلك.

لم أر محمد العروسي المطوي ينعرج إلى نهج روما نحو دائرة الدّراسات الاشتراكيّة وهو مرتد معطفه الشّتويّ وعلى رأسه قبّعة "كلباك" لا يلتفت يمينا ولا يسارا.

لم أر الشّاعر أحمد اللّغماني بقامته المهيبة يتجوّل في الشّارع "l’avenue" وهو يقوم بجولته الرياضيّة اليوميّة.

لم أر النّاقد أبو زيّان السّعدي منطويا في معطفه الأسود منكبّا على كتبه وأوراقه وبين الحين والآخر يرفع رأسه متأمّلا أفواج المارّة القادمين من محطّة برشلونة والقادمين من محطة - تونس المرسى -.

لم أر أبو القاسم كّرو في نزل الهناء وحوله مريدون كثيرون يتحدّث إليهم ويستمع إليهم بانتباه العلماء.

لم أر محمّد الصّالح الجابري الّذي لا يقطع مسافة ثلاث خطوات في الشّارع "l’avenue" إلاّ واستوقفه أحدهم مسلّما بحرارة.

لم أر الشّاعر الحبيب الزناد - الآن مستقرّ في المنستير - يسير بين صفّي الأشجار فتخال خطواته قصائد متمّردة على الموروث من الشّعر.

لم أر محمّد المصمولي صاحب الغليون - الآن يسكن حيّا - يشتغل في زاوية بمقهى الكوليزي على إبداع مقالات أدبية، وقد تخلّت مؤسّسة الإذاعة عن برامجه الثّقافية بعد أن كان يعتبر من أكبر منتجي الإذاعة الوطنيّة.

لم أر البشير خريّف وهو يلج إلى نهج القصبة ويتسلّق درج أحد النّزل ليجلس في غرفته مصارعا فصول روايته "الدّقلة في عراجينها".

لم أر عزّ الدين المدني الثائر بعنف على كلّ الأشكال والمضامين الأدبيّة وهو المسرحيّ القدير الّذي أثرى أعمال الفرقة البلديّة بأروع المسرحيّات، هو أيضا ربّما اختار العزلة في منزله أو الاختفاء عن الأضواء والضّوضاء.

لم أر أحدا من هؤلاء الّذين أثّثوا السّاحة الأدبيّة بأجمل النّصوص شعرا وقصّة.

لم أر أحمد القديدي الإعلاميّ الكبير والمثقّف المتميزّ الّذي كان دائما صاحب كلمة ورأي في شؤون البلاد ثقافيّا وإعلاميّا.

لم أر النّاصر التّومي ذلك الروائيّ المتميّز الّذي كان يقدّم خدمات جليلة للرّوائيين والقصّاصين فيساعد الكثير منهم على تصريف إصداراتهم وكنت واحدا من بينهم.

لم أر الشّاعرة زبيدة بشير تلك السّيّدة الّتي اعتنقت الإبداع الشّعريّ فغزت قصائدها كلّ النّوادي الأدبيّة ثمّ فجأة اختارت الرّحيل عن الدّنيا دون أن تودّع أحدا.

لم أر جميلة الماجري الّتي تعتبر ظاهرة شعريّة بحقّ فقصائدها نابعة من القلب معبّرة أحسن تعبير عن المحبّة للقيروان، وعن الهموم الإنسانيّة باقتدار فنّيّ كبير، وهي ماتزال كذلك لكنّها فضّلت الإقامة في القيروان مسقط الرأس مقدّمة للثّقافة والمثقّفين أجمل الفرص للنّشاط والظّهور.

لم أر نافلة ذهب عضو نادي القصّة الّتي كتبت وتكتب ونشرت وتنشر نصوصا سرديّة من ذهب.

كلّ الّذين كنت ألتقي بهم في شارع الحبيب بورقيبة أو في نادي القصّة أو في حيّ باب سويقة انزووا في مقرّاتهم أو هاجروا الهجرة المعاكسة إلى مسقط الرأس أو رحلوا دون رجعة.

هم ذهبوا، كلّ حسب مشيئته أو رغم إرادته، وأنا أيضا ذهبت لكن ظلّت المشاعر المتدّفقة يتنازعها شارع الحبيب بورقيبة وشارع الحرّيّة حيث مقرّ الإذاعة الوطنيّة الّتي عملت فيها مذيعا وبئر الحفي الّتي ولدت فيها وترعرعت وألهمتني محبّة الأرض والنّاس والوفاء لكلّ من عرفت في حياتي.

عبد القادر بن الحاج نصر

نوفمبر 2020

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد