عجبي، في ضيافة الأميرة

بئر الحفي

    ها أنا في مسقط الرّأس من جديد متحمّسا مسرورا بوجودي في نفس المقهى الّتي   تعوّدت على الجلوس فيها كلّ يوم منذ تباشير الصّباح، أبسط كتابا أمامي وأقرأ بعض صفحاته ثمّ أضع الورقة البيضاء وأخوض صراعا مريرا للتّعبير عمّا يخالج نفسي من أحاسيس مختلفة ومن مواقف حول قضايا مطروحة على السّاحة الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة، وبين حين وآخر أتلّقى رسالة عبر الهاتف الجوّال تعزّز لديّ الشّعور بأنّني قريب من الكلّ والكلّ قريب منّي.

    في المقهى حيث أجلس تلوح في خاطري بعض الوجوه الأدبيّة والثّقافيّة والإعلاميّة الّتي تعوّدت على الالتقاء بها في مجلسي الصّباحيّ.

    أرى الفاضل النّايلي قادما نحوي حاملا في قلبه وعلى لسانه هموم الثّقافة وأوضاع التّربية والتّعليم والإشكالات المطروحة في المدينة يوّد لو أنّ باليد حيلة ليعيد لها إشعاعها وجمالها وللنّاس فيها روح المواطنة وللمتعلّمين أصول العلم وواجبات أهل التّعليم إزاء المدينة حاضرها ومستقبلها.

    أرى نوفل اليوسفي يتجاوز عتبة المقهى متحدّثا عن معاناته المتواصلة في عالم الصّحافة والإعلام، فكم خاض فصولا من صراعات متنوّعة ليعطي إضافة وليحقّق حلما مشروعا بينما واجهته هذه الصّحافة باللاّمبالاة والصّدّ وعدم الاعتراف بما قدّم وما يقدّم من أعمال أسالت وتسيل عرقه.

    أرى فتحي العكريمي وهو يكتب القصيد تلو الآخر متعمّقا في أدغال النّفس محاولا إيصال رسالة في كلّ مرّة إلى المحيطين به وإلى البعيدين عنه فتلقى قصائده صدى يبعث فيه روح المثابرة والاجتهاد والمواصلة مجدّدا ومطوّرا.

    أرى طيف حسن العكريمي منكّبا على كتابة مقالات فكريّة واجتماعيّة وثقافيّة واضعا إصبعه على مناطق الخلل والانحراف في السّلوك وردود الأفعال الّتي باتت في الأغلب لا فكر يحرّكها ولا ثقافة تؤطّرها ولا أخلاق تعصمها، أراه يكتب دون أن يصيبه يأس أو تعب وذلك من صفات المثقّفين الأصيلين.

    أرى طيف عبد السّتار العكريمي يتابع الحركة الفكريّة والأدبيّة في مختلف وسائل النّشر فتهزّه الحميّة ويدفعه الواجب إلى التّعليق عمّا يكتب وينشر مساهما بذلك في قول كلمة حقّ لا يرجو من ورائها جزاء ولا شكورا.

خلال الرّحلة الصّباحية تظلّ ملامح الأميرة تطوف حولي أمدّ يدي لأصافحها فلا ألامس غير الفضاء من حولي وتلك هي الحقيقة الأبدّيّة.

    أرى هؤلاء وأرى غيرهم، وأرى في البداية نادل المقهى يأتي إليّ بالقهوة السّاخنة وأراني في النّهاية أدفع له ثمن القهوة لأنصرف لا أدري إلى أين.

عبد القادر بن الحاج نصر

ديسمبر 2015

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد