أستاذ شيشة
![]() |
أستاذ شيشة |
ينساب الدّخان متسلّقا فضاء المقهى
متواصلا على قدر تواصل المدّ ثمّ ينقطع، تنقبض الشّفتان في عمليّة تيبّس فينقطع
معها عامود الدّخان الخارج من فوهة البركان المنطفئة، تسبح الغيمة الّتي ابتعدت في
الفضاء ملتوية على نفسها ثمّ صاعدة ومتعرّجة متحلّلة ثمّ متجمّعة ثمّ متكسّرة حسب
كمّية الهواء المتسرّب من فتحات التّهوئة وقوّة الرّياح الدّافعة من الخارج. يلتفت
الأستاذ بنصف عين.
«ما أكثرهم، قدّاش منهم هاذم الكلّ
باش ينجحو ويتوظّفو ويبنو ديار ويعرّسو، تِآنا التوّ زبنطوط.. الله منّك يا الدّولة.»
العينان متحجّرتان كحجري صوّان، حتّى
الرّموش تكاد لا تنغلق على بعضها فإذا مرّت ذبابة قريبة من بؤبؤ العين تحرّكت السّبّابة
تنشّها وبقيت الرّموش متجمّدة حتّى لا تفوته لقطة من مشهد أو جزء من منظر أو فقرة
من حدث، يتنهّد:
«يابيّ هالعرب آش يوكلو على روسهم، آش
يهرّسو فيهم، آش يتحمّلو إهانة من الامريكان و إسرائيل و بريطانيا و فرانسا، ما
اصحّ بهتهم! يا عريبه يا عريبة الهانه والغلبه.»
فجأة ينتفض الجسد المتكوّر دون أن
تتحوّل الانتفاضة إلى حركة متواصلة، إنّها رغبة جامحة من الدّاخل، من تلافيف الدّماغ
الّذي تحيط به غمامة فكأنّه بالون سابح في الفضاء وسط طبقة سميكة من سحاب، ينتفض
الجسد وتظلّ الأطراف ساكنة إلاّ من تشنّج عنيف يهزّ قشرة الوجه، إلاّ من نفور في
عروق الرّقبة الّتي يتحوّل لونها إلى أزرق مائل للأرجوانيّ، إلاّ من اهتزاز
الحاجبين وقد تجمّدا في وضع استفهام دون ردّ. تعود أوردة الرّقبة إلى صورتها
الأولى ويظلّ اللّون أزرق أرجوانيّا وينفجر الصّوت مثل الفحيح:
- ولعه يا ولد، ولعه يرحم الوالد.
يقبل الولد متثاقلا حاملا جمرة
متّقدة يحوّلها من كفّ إلى كفّ في حركة سريعة متجنّبا الاحتراق، يرمي بها فوق
بقايا الجمرات المنطفئة وينصرف، يشيّعه الأستاذ بنظرة غاضبة وطرف الشّيشة ملتصق بشفتيه
يجذب نفسا طويلا يتجسّم صداه في قرقرة متواصلة، لا هي تغريدة الحمام، ولا هي صوت
الماء يسقط في حنجرة العطشان من شربيّة الفخّار ولا هي قطرات المطر السّاقطة من
مزراب على الإسفلت. يغمض عينيه ويلتقط الهواء فتنطبق بطنه على بعضها وتنحسر صفحتا
الوجه لتبرز الوجنتان في نتوء يدفع الرّمشين الأسفلين إلى الصّعود قليلا فتنحدر لا
إراديّا دمعة من هنا ودمعة من هناك حتّى تصلا إلى طرف الذّقن في اللّحظة الّتي
تمرّ فيها مجموعة من الفتيات بعضهنّ متحجّبات والأخريات سافرات.
«إبكي يا عين، هاذم الكلّ باش يلقو
رجال والأولاد فرّ فرّ شاقّين البحر مناديين بلمبدوزا، إبكي يا عين على بنات تونس،
دولتنا شايخه في صفحة العسل.»
يمرّر ظاهر كفّه على الذّقن، يمدّ
يده ويحدّق في ماء العين الّذي التصق بالشّعيرات السّوداء مكوّنا حبيبات صغيرة
يشتدّ لمعانها ويخفت حسب موضعها من ضوء فانوس الكهرباء الّذي يتدلّى من السّقف، يمسح
وجهه بظاهر كفّه، فتتوزّع حبيبات الدّمعتين وتمّحي كما لم تكن. آنئذ يتنهّد ثمّ
يتنفّس بقوّة فلا يشاهد الدّخان يتصاعد من بين شفتيه ومنخريه، يميل برأسه، ينظر إلى
المجمرة، يرسم بحاجبيه حركة تعجّب، يسحب طرف الشّيشة من بين شفتيه وقد انقبضتا وتيبّستا
في حين هبطت تجاعيد الوجه كأنّها في حالة سقوط فظهرت التّجاويف في خطوط متعرّجة
تبدأ من وسط الجبين وتمرّ عبر حاشيتي الوجه في اتّجاه أطراف لحم الرّقبة المتهدّل
مرتبطة بخليط الشّعر الأسود الّذي أطلّ من أعلى الصّدر.
«ريت وما ريت ما ثمّش ما أبهم من العريبه،
تضربهم أمريكا وإسرائيل على أجنابهم يقولو هاي اكتافنا أضربو.»
يدخل يده إلى جيبه دون أن يوجّه نظره
نحو النّادل المتربّص وراء الكونتوار، يخرج نقودا يعدّها بكسل متناه، يضع بعضها على
الطّاولة ويعيد بعضها الآخر إلى الجيب، يلتقط محفظته يقرّبها إلى صدره، ينهض، يمدّ
صدره إلى الأمام متنهّدا متثائبا، يلتقي نظره بنظر النّادل، يدير رأسه نحو باب
المقهى يحرّك قدميه مغادرا المكان بخطوات متثاقلة لينتهي به المسير في ساحة المعهد،
ويسوقه الواجب المدرسيّ نحو قاعة الامتحانات موزّعا نظراته على التلاميذ الّذين
انهمك بعضهم في التّدخين وأخذ آخرون يرمون أعقاب السّجائر وقد زاغ النّظر وتشنّجت
قسمات الوجوه، حرّك رأسه وقال موجّها الحديث إلى نفسه:
«اليوم يوم الامتحان فإمّا يكرم المرء أو يهان»
عبد القادر بن الحاج نصر
جويلية 2014

تعليقات