مقطع من رواية: بتلات الأقحوان

رواية بتلات الأقحوان

 

- ارتاحي يا بهيجة.

وضعت خدّها على فخذ أمّها، تلذّذت رطوبة الفستان، ومن خلالها دفء الأمومة روحا ووجدانا.

- دادا!

- يا روحي.

غصّت بهيجة بدفق أحاسيسها إرثا أتت به من العاصمة يأبى أن يمّحي.. ودّت لو انفصلت الأيّام عن بعضها.. تغفو أيّام وتستفيق أخرى، تروح أحزان ويغدو الفرح فيملأ فضاء الحوش.. ما ألذّك يا رائحة دادا!

- حدّثيني عن تونس.

عضّت بهيجة شفتها حتّى أحسّت بالوجع، همّت بأن تجيب أمّها فتلعثمت ثمّ حرّكت لسانها.

- تونس يا تونس.

لم تدرك دادا ما الّذي يدور في خاطر بهيجة.. ظلّت ممسكة بالفنجان تترشّف وتتلذّذ، تمعن فيه النّظر ثمّ تلتقط الشّاي بشفتيها محدثة وصلة موسيقيّة تثلج صدر بهيجة.

- تونسنا البيّة.. ما عندك فيها ما تقول.. هاك شايخة فيها وحدك.. صحّة لبنتي.

احمرّت وجنتا بهيجة، ثمّ اصفرّت.. شهقت دون أن يصدر عنها صوت.. شهقة كوصلة موسيقيّة مجروحة.. تحدّرت دمعة حارّة وسقطت، ارتعشت دادا وقد قادها الإحساس بالبلل إلى الوصلة المجروحة.. حطّت الفنجان ووضعت كفّها على وجنة بهيجة، انحنت حتّى لفحت أنفاسها الجبين والخدّين.. أزاحت خصلة الشّعر.. يا الله! أجفان مبلّلة وعلى طرفي الشّفتين دموع.

يا الله.. بهيجة تبكي!

- تبكي يا دادا.. آش يبكّي فيك!

- تونس ناسها خايبين يا دادا.. الرجال الّي ركبوا على الثّورة خيّروني بين حاجتين.. نفرّط في العرض ولاّ نعلّق حبل في شجرة ونشنق روحي.

- آه يا بهيجة الحنّانة.. ظنّيتك مرتاحة ومتهنّية!

- هه.. مرتاحة ودموعي على خدّي.

- نفديك بروحي يا بنتي.

- آه يا دادا.. قدّاش في الدّنيا مصايب.

رفعت خدّها عن الفخذ، حدّقت في الملامح الملائكيّة ودسّت رأسها في صدر دادا فاحتضنتها.

- اقعدي عندي يلعن بو الخدمة اللّي تذلّ الحراير.

- ما تخافيش عليّا.. قلبي يخفق، يجي نهار ونفكّ حقّي منهم.

رفعت رأسها.. غالبت الوجع وابتسمت، ابتسامة مبلّلة بالدّموع.

مرّرت دادا كفّها على الرّموش والخدّين ومسحت الدّموع بطرف سبّابتها.

- دادا.. توحّشت خبزة طابونة حمرا ناضجة نعدّيها بزيت الزّيتونة.

قبّلت بهيجة جبين دادا ما وانتفضت، نهضت خفيفة كالغزالة كأنّها لم تتوجّع، ولم تسكب الدّموع.

أشعلت دادا النّار ووقفت تراقب الخبزة الّتي التصقت على حاشية الطابونة.. العجينة تدرّج لونها من الأبيض إلى حمرة تزيّنها نقط رماديّة.. انتشرت الرّائحة الزكيّة تملأ فضاء الحوش.

تربّعت بهيجة فوق حصير الحلفاء وأمامها صحن من فخّار شطره أصفر وشطره الآخر أخضر، ترقرق فيه زيت الزّيتون الصّافي.

تقابلتا.. اقتطعت دادا قطعة خبز، غمستها في الزّيت وقرّبتها من شفتي بهيجة الّتي التقطتها بسرعة ومعها التقطت إصبع ماما بين أسنانها.

- شويتني يعطيك كيّة يا بهيجة.. باقي في صنعتك.

ضحكت بهيجة، انفجرت مقهقهة.. أيّاما وليالي لم يرتعش الفرح في وجدانها.. الهواء الصّافي والنّسائم الآتية من الجبال العالية حاملة رائحة الزّعتر والإكليل والشّيح وكلّ النباتات البرّية.

- دادا.. تعرفي باش قلبي يرفّ؟

- ان شاء الله خير.

- نحب نطلع لراس جبل الشّعانبي نملا عينيّا بمنظر الغابات والوديان، نسرح مع الطيور الطايرة ونحطّ مع الحاطّة، نتنقّل من زيتونة لزيتونة، نمسح بيدي على أغصان اللّوز، نقعمز في ظلّ طابية هندي، نرشق مرفقي في التراب، نهزّ راسي، نشيّع عيوني للسّماء الزّرقاء، نخفّق، نطير، ندخل هاك الغيوم السّارحة، نمدّ يديّا ونطلب ربّي.

- نعرف آش شاهي خاطرك.

- ترا قولي؟

- شاهية دار وكرهبة وميات مليون وراجل يركّبك وراه على حصان ويطير بيك.

- لا يا دادا.

- شاهية ما خير.

تجمّدت قطعة الخبز على أطراف الشّفاه وحدّقت العيون في فضاء الحوش.

- وراس دادا شاهية حاجة وحدة.. هاك الّي شادّين الحكم وكابسين على قلوبنا يسيّبو الكرسي قبل ما تتباع لبلاد.

اهتزّت دادا وارتدّت إلى الوراء.

- كلام هذا! تونس عندها رجالها.

- تنهّدت بهيجة.

- الرجال! ماتوا من هاك العام كلاهم الكرتوش.. إنت خذيتيش ديّة حسين خويا اللّي ضرباتو كرتوشة في الرّاس.. الثورة صبحت جمرة في قلوب الرّجال والحراير.

 أعادت دادا قطعة الخبز إلى موضعها.

- حرام عليك يا بهيجة، مرّرت عليّا خبزة الطابونة.

رمت بهيجة قطعة الخبز في فمها ولاكتها متثاقلة.

- خبزة الطابونة تمرار ومن بعد تحلا أمّا العيشة، العيشة يا دادا.. خلّيني ساكتة خير.. وتقلّي دار وكرهبة وميات مليون وراجل وخيّالي.. يا ناري عليك يا ماما ديمة بنيّتك.

عبد القادر بن الحاج نصر

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد