رجل من بئر الحفي، الحاج نصر
![]() |
رجل من بئر الحفي: الحاج نصر |
وكان عطوفا حنونا إلى حدّ الرّقّة،
وكان عاشقا للأرض لا يباريه في العشق أحد.
مازلت حتّى الآن أراه في حدود الأرض الّتي
نملكها منقّلا نظره بين الأرض والسّماء كأنّه لم يرحل منذ أمد، ولقد كنت معجبا
بكلّ ما يقول وبكلّ ما يفعل ومازلت حتّى الآن أراه سائرا بين المراعي والحقول
المنتفضة أشواقا إلى المطر وبين أشجار الزّيتون واللّوز وكروم التّين يبادلها
العشق السّرمديّ الّذي لا يعرف سرّه إلاّ هو حتّى أنّي أكاد أجزم أنّ عشق الأرض قد
ولد في وجدانه وانتشر في الأرجاء يغمر كلّ فلاّحي الجهة وعمّالها.. كان بينه وبين
الأرض رباط مقدّس يزداد قداسة من فصل في الزّمن إلى آخر.
من ساحة المنزل كان يتابع ليل نهار تقلّبات
الطّقس، يشمّ رائحة المطر آتية تحملها الرّياح اللّواقح، تنبسط ملامحه عندما يدرك
أنّ تكهّنه كان مصيبا وتتيّبس عندما يخيب التكهّن.
هو الأوّل من بين الفلاّحين يهّب إلى
حراثة الأرض وزرع بذور القمح والشّعير سواء أمطرت أو لم تمطر فعند الله خير كثير،
وهو الأوّل الّذي يبادر بالحصاد فيجمع الأغمار ويسوّيها في البيدر، كلّ صنف من
الحبوب في نادر مستقّل. كان البيدر يحفل كلّ سنة بأصناف عديدة من القمح وكذلك
الشّعير.
في جزء من البيت أقام مخزنا يملأه
بالقدر الأكبر من القمح فكان العمّال يحملون الأكياس المملوءة يصعدون بها بعض
الدّرجات الّتي توصل إلى أعلى المخزن وكانت عمليّة إفراغ القمح من الكيس وسقوط
الحبّات فوق بعضها متتالية يحدث ما يشبه الموسيقى الّتي توحي بالطّرب فكأنّما
تمتزج فيها أصوات الطّيور جميعها وأصوات الرّياح والمطر وغناء الفلاّحين
والفلاّحات وثغاء الخرفان وصهيل الأفراس ورغاء الإبل، كم كانت النّشوة أثناء ذلك
بادية على الوجوه والحاج نصر يسعى بين البيدر حيث تكدّس القمح المصفّى وبين المخزن
الكبير.
لم يكن المخزن يتّسع إلى كلّ المحصول
فكان يعمد إلى تخزين البقيّة في مطامير بساحة البيت.. مطامير أعدّت بطريقة فنيّة
وصحيّة حتّى لا تتعفّن الحبوب ولا تطالها الرّطوبة أو تغزوها جيوش النّمل.
لم يكن الحاج نصر يستطيب الرّاحة بين
المواسم إلاّ قليلا إذ سرعان ما يخفّ قبل غيره إلى إعداد مساحات جديدة يغرس فيها
زيتونا ولوزا يسقيه بعرقه منتظرا رحمة السّماء تنزل ماء منهمرا.
لا أحد من عابري السّبيل، أصحاب
الأغنام والإبل، يجرؤ على اختصار الطّريق والسّير داخل حدود الأرض الّتي نملكها
فإذا حدث ذلك ثارت ثائرته واندلع اشتباك بينه وبين المعتدي على حرمة الأرض، وكثيرا
ما تتحوّل الخصومة إلى معركة بين فريقين متقابلين، أصحاب الأراضي من جهة والعابرين
بمواشيهم من جهة أخرى.
أيّام الجمعة يرتدي جبّته البيضاء
وثيابه الجديدة ويتطيّب ثمّ يقصد الجامع الوحيد في القرية ليؤدّي صلاة الجمعة،
وأيّام الخميس يركب دّابته ويقصد السّوق الأسبوعيّة الّتي تبدو في عنفوانها وصخبها
وكثرة الوافدين عليها والتّجار والباعة والفضوليّين كالأمواج العاتية.
ساعة عودته من السّوق وهي ساعة تكاد
تكون محدّدة نصعد فوق سطح البيت ونفتح عيوننا جيّدا مركّزين نظرنا على الطّريق
وكلّنا شوق إلى رؤيته وهو عائد وقد احتضن وهو على ظهر الدّابّة قفّة كبيرة ملأها
ببعض الخضر ونصيبا من التّمر ولحم الخروف وبعض التّوابل والحلوى وأشياء أخرى.
بعد مغيب الشّمس يقف في باب
"الزّريبة" يتفقّد الأغنام الّتي عاد بها الرّاعي ويعدّها عدّا وسط صياح
الخرفان الّتي بقيت منعزلة طوال النّهار وقد حنّت إلى ضرع أمّهاتها.
كنت أحبّ في والدي الحاج نصر كلّ شيء
وكنت أفتخر به دون حدّ إلاّ أنّ شيئا واحدا كان يغضبني فأثور عليه في صمت إذ كان
يعمد كلّ عطلة صيفيّة تقريبا إلى الاستغناء عن الرّاعي لسبب من الأسباب ويكلّفني
أنا وأخي بمهمّة الرّعي فكان علينا أن ننهض كلّ صباح قبل طلوع الشّمس والذّهاب
بالأغنام إلى المرعى.
كنت أبكي عندما أجبر على النّهوض باكرا
لكنّني بعد أن تشرق الشّمس وتزهر الدّنيا وتصدح الأطيار وترفرف الفراشات أحتضن
الطّبيعة وتحتضنني فأشعر بالسّعادة العظمى وأقول بيني وبين نفسي: «"شكرا يا
أبي لقد جعلتني مثلك عاشقا للأرض متيّما بها وبما فيها.»
عبد القادر بن الحاج نصر
أفريل 2016

تعليقات