مدينتي الأميرة (2)

عبد القادر بن الحاج نصر

في مقهى أطل من خلال بلورها على فضاء واسع في آخره مستشفى عريق يمتدّ أمامه طريق تربط بين مدينة سكّرة والضّاحية الشّماليّة أشعر وأنا أتابع حركة الرّيح بين أوراق أشجار الفيكيس بالبرودة الّتي تجعل قشعريرة تسري في كامل بدني فأنكمش وألتوي على نفسي كما تلتوي الأغصان على بعضها لتعطي للشّجرة شكلا جديدا قد يكون بفعل الألم، أو بفعل الرّفض للواقع أو بفعل الوحدة القاهرة، فالأشجار حتّى وإن بدت قريبة من بعضها على مسافات متساوية كلّ واحدة منها تحيا في عزلة يحيط بها من كلّ الجوانب فراغ هائل.. فراغ تسكنه الرّياح ويسافر بعضها رخاء، ويواصل البعض رحلته عابثا بالنّباتات البرّية مجبرة السّائرين على إخفاء رؤوسهم تحت القبّعات والطرابيش والعمائم. إنّني بالنّسبة إلى الآخرين شجرة ممتدّة في الفضاء تحاول أن تلامس أغصانها شجرة تجدها قريبة من قلبها نابضة في وجدانها، لكنّها عبثا تفعل، فالكلّ في محيط خاصّ يحيط به فراغ قاهر.

كذلك أنا.

كذلك أبدو في الفضاء الّذي أجلس فيه مادّا يديّ في الفراغ من حولي باحثا عن اليد الّتي أفتقدها فلا تعترض أصابعي غير برودة الشّتاء، وصقيع الرّياح الثّلجيّة الآتية من بلاد الصّقيع، ولأنّني أرفض الهزيمة وأرفض المساحات الفارغة، وأرفض النّسائم الثّلجيّة الّتي تحوّل البشرة القمحيّة إلى شقوق وجروح.

ولأننّي أتحدّى دائما ولأنّني خلقت هكذا من طين يرفض الذّوبان في حركة الطّبيعة وتغيّراتها فإنّني أظلّ أحلم، مسافرا في حكاية حلم، آخذ من قوّة الحلم إرادة التحدّي لكلّ عناصر الهزيمة والخوف والاستسلام والهروب وسكينة الموت.

هكذا أنا مثل الآخرين وعلى خلافهم، ككلّ النّاس لكنّني بعيد مسافة لا تقدّر بالأمتار ولا بالأميال، أجلس في مقهاي والعاصمة على يميني والضّاحية على يساري مخترقا الفضاءات ومتحدّيا الرّياح الهوجاء لأحطّ النّظر في مساحة الحنفيّة الّتي  طالما شربنا ماءها حتّى أصبح أحد عناصر حياتنا ووجودنا، ولأتشمّم تراب روضة الشّهداء ورائحة أوراق الشّجيرات المحاذية للأضرحة المقدّسة، ولأرحل وأنا أتأمل الأضرحة عبر الأزمان الّتي  ولدت فيها القرية ثمّ اتّسعت ثمّ ازدهرت حتّى اختلط حابلها بنابلها ككلّ القرى الّتي  أصبحت مدنا ولأنظر إلى السّائرين بجانبي سور المدرسة صغارا وكبارا، ذلك السّور الّذي طالما جلست بجانبه مستندا بكتفي على حجره اتّقاء الرّياح العاصفة وقد تعالت ساحته الدّاخلية بأصوات الصّبية مغادرين لأقسام أو داخلين إليها وهم كالفراخ المرفرفة المزقزقة وفي الملامح براءة الصّغار، ثمّ لأملأ البصر في وقت آخر بالمصلّين وهم يخرجون من المسجد الجامع وقد أدّوا فريضة الصّلاة وانتشروا  في مناكب الأرض، وأخيرا أحتضن بوجداني كلّ الدكاكين والمقاهي ولأردّد بيني وبين نفسي: هذه هي مدينتي الأميرة وأميرتي المدينة الّتي  أحبّ.

عبد القادر بن الحاج نصر

 جانفي 2015

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد