مدينتي الأميرة (1)

مدينتي الأميرة

أفتقد المدينة، مدينتي، أشعر أنّني خرجت من باب جانبي وتسلّلت هاربا، مبتعدا عن نفسي، عن الأمكنة الّتي كنت أمرّ بها وأنا ذاهب إليها، عن الطّريق المملوءة بالحفر، عن الدّكاكين الّتي تأخذ الأضواء فيها شكل أقباس حزينة خارجة من باطن الأرض والرّؤوس الشّتائيّة المتحرّكة في الفضاء، المختبئة تحت أغطية صوفيّة وقطنيّة مختلفة الألوان والأشكال، عن الشّاحنات الّتي تنهب الأرض بعضها محمّلة بأكياس الزّيتون وبعضها بإطارات السيّارات، وبعضها بالخرفان. كم هي حزينة ومؤلمة عمليّة التّسلّل، هذا رجل يغلق أبواب منزله، ويلقي نظرة على أشجار حديقته، ويرتشف كميّة من الهواء البارد وهو يحدّق في صفحة السّماء السّوداء المزيّنة بالمصابيح، يركّز نظره على الثّريّا والمصابيح المحيطة بها، القريبة منها والبعيدة، يجتهد في اختراق الغلاف البعيد ليعثر على حبيبته ليرى شعرها تعبث به النّسائم، شعر ضفائره من نجوم وخصلاته من أقمار، ليرى ابتسامتها تتلألأ فيها أضواء قوس قزح، ليرى طرف أنفها وجانب من شفتيها وهي تغزل الصّوف ليتحوّل بين يديها إلى صور بديعة وحروف مختلفة ونصوص منتقاة ورسوم وتماثيل ونقوش تتالى أمام عينيها، أحيانا لا تتكلّم، لا تردّ عن الأسئلة، تلجأ إلى الصّمت، أحيانا تختبئ وراء سؤال عابر، أحيانا تختفي وراء الصّمت، أحيانا تسلّط نظرة مبهمة، أحيانا يخيّل له أنّها تكلّمت وهي لا تتكلّم، أحيانا يشعر بأنّها أتت بحركة يكمن وراءها كلام كثير، لكنّها لم تأت بحركة ولكنّها انطوت على نفسها وسكنت الأحاسيس في باطنها، وانقطع الخيط الرّفيع الّذي  يربط بينها وبينه.

هارب من مدينته حبيبته، من مدينته أميرته، هارب من دروبها الوعرة، من تضاريسها المتداخلة، هارب من البرق الخلّب ومن الرّعد الّذي ينذر بزوابع الرّياح الرّمليّة الحمراء ولا يبشّر بقدوم المطر، هارب من السّحب الّتي تمرّ جافّة غاضبة، هارب من كلّ مدينة أميرة لا تنصت إلى نبضات قلبك ولا رائحتك ولا تلامس يدها يدك، ولا يعتصرها الألم مثلما يعتصرك، هارب من باعة الفول ومن الفطائر، ومن المخابز ومعاصر الزّيتون وأسواق الدّواب والملابس المستعملة والخضر والغلال وبضائع الشّرق الأدنى.

هارب من المدينة لأنّها امتلكته حتّى لم يعد قادرا على أن يخرج من عباءتها، ولا أن يتخلّص من سحرها: لذلك تسلّل ذات يوم قبل أن تفتح الدّكاكين أبوابها وقبل أن يأخذ أصحاب الدّكاكين في إشعال الفوانيس، هارب حتّى لا تراه الشّمس ولا يراه الّذين أحبّهم حتّى الجنون.

هارب وفي نفسه تتفتّق بذور العودة وتنمو جذورا خضراء يانعة في كلّ عرق من عروقه، وتنبت في مسامّ جسده عطرا كأنّه خارج من وراء الفولارة الّتي تلفّ فضاء القرية فتتدفّأ القرية بها في أزمنة البرد والصّقيع وفي مواسم الحرّ والهجير.

آه منك يا مدينتي الأميرة السّاكنة في قلبي أبدا!

عبد القادر بن الحاج نصر

جانفي 2015

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد