شهادة، وانقلبت الموازين
![]() |
شهادة، وانقلبت الموازين |
لي صديقان أعتزّ بهما كثيرا فالصّداقة عندي من أسمى ما يربط بين النّاس من علاقات.. ولقد ربط الكتاب بيني وبين هذين الصّديقين.
كلّما صدر لي كتاب جديد سارعت إلى
إهداء نسخة لكلّ واحد منهما تدفعني إلى ذلك محبّة متجدّدة ووفاء خالص.. وإنّي
لأهديهما الكتاب الجديد لأنّهما من فئة المثقّفين وأصحاب الرّأي ولهما علاقة
بالإبداع في كلّ الأنواع والأشكال.
أهديهما الكتاب الجديد وأنتظر من
كليهما رأيا يعينني على مواجهة متاعب الكتابة ويشحذ عزيمتي ويعزّز قناعتي بأنّ
الكتاب رباط مقدّس يعزّز الأواصر بين النّاس ويقدح شرارة الحوار الثّريّ.
أنتظر رأيا في كلّ مرّة يكون لنا
موعد، أنتظر نقدا وتحليلا وملاحظات حول المحتوى والشّكل وأسلوب التّعبير وطريقة
العرض ومستوى الشّخصيّات وأهميّة القضيّة التي تطرحها الرّواية.
آخر مرّة التقيت فيها بالصّديق
الأوّل وهو من رجال السّياسة والإعلام وقد كنت أهديته روايتي "هنشير
اليهوديّة" ومجموعتي القصصيّة قبل الأخيرة "زطلة يا تونس".
جلسنا وتناولنا الشّاي وذهب بنا
الحديث مذاهب شتّى ليحطّ في دائرة آخر الأعمال السّرديّة التي اطّلع عليها.
هزّني الفرح لأنّه سيستفيض في الحديث
عن "هنشير اليهوديّة" إذ كم أعتزّ بهذه الرّواية لأنّها الأخيرة ولأنّ
شخصيّاتها غير شخصيّات رواياتي الأخرى وواقعها واقع الثّورة المرير.
فاجأني بالحديث عن رواية لكاتب مصريّ
وأسهب في الحديث عنها.. قلت في نفسي هذه مقدّمة لخوض معمعة "هنشير
اليهوديّة" لكنّ ذلك لم يحدث أبدا.
أحسست بالخيبة والخذلان لكنّني قلت
تلك هي حال الثّقافة وحال أغلب المثقّفين في بلدي.
التقيت بالصّديق الثّاني وهو من كبار
الجامعيّين والباحثين في شأن الثّقافة والحضارة والأدب وإنّي والله لأحبّه وأعتزّ
به وسأظلّ كذلك.. بادرني بالحديث عن الأعمال السّرديّة ليقدّم لي نصيحة من ذهب..
عليّ أن أسارع إلى مطالعة رواية لأحد أصدقائه الجامعيّين وهي حسب رأيه ليست رواية
بالمعنى المحدّد للرّواية وهي ليست سجلّ مذكّرات بالمعنى المحدّد لذلك، وهي ليست
مجموعة خواطر لكنّها عمل رائع متميّز رغم أنّ بناءها كما يقول ضعيف ولغتها متواضعة.
فاجأته بالقول:
- أظنّ أنّني أهديتك روايتي الأخيرة
"هنشير اليهوديّة" !
أجابني بالإيجاب.
سألته هل قرأها فأجاب وكأنّه يدقّ
مسمارا في رأسي:
- لا لم اقرأها.
أحسست أنّ بعض الخجل قد تملّكه وقد
أمسك عن الكلام، وأحسست أنّي قد أحرجته لكنّني لم أشعر بالنّدم مطلقا.
انصرف وانصرفت.
أمّا الصّداقة فهي باقية ما بقينا،
أمّا الكتاب والإبداع والأدب فهي أطياف عابرة سبيل.
ألم نعلم أنّ الموازين قد انقلبت
عندنا.
ولله فيّ وفيهما وفي الأعمال
السّرديّة شؤون.
عبد القادر بن الحاج نصر
21 جويلية 2017

تعليقات