الشّارع الجميل والقامات الأدبيّة: أحمد الّلغماني، قلب على شفة

الشاعر أحمد اللّغماني

       تونس أنجبت رجالا أفذاذا، أعطت لأهلها ولجيرانها للقريبين والبعيدين رجالا هم كالنّجوم علامات يهتدون بهم، يتبعون خطاهم ويقرأون في سفر حياتهم سطورا مرسومة من ذهب ومكتوبة بماء العين ودماء القلب والشّرايين.

      كتب أحمد اللّغماني شعرا فتداولته قوافل الشّعراء وحفلت به السّاحة الأدبية.. نصوصه الشّعرية منتقاة ولها سحر يأخذ بالألباب، كلّ قصائده فضاءات تمتزج فيها البلاغة الأدبيّة في منتهاها بفتنة التّجديد شكلا ومضمونا، ولأنّه شعر فاتن ساحر فقد تأثّر به كلّ من استمع إليه وحفظ بعضه عن ظهر قلب.

      شاعر بورقيبة.. هو كذلك، ولقد أبدع في وصف العبقريّة والخصال والمحاسن الّتي تفرّد بها الزّعيم، وكان تعلّقه به صادقا لم تفعل فيه المواقف السّياسيّة المتقلّبة فعلها.. ظلّ حبّا متوهّجا تجسّمه القصائد المختلفة الّتي كلّما استمع الزعيم إلى قصيد جديد منها اهتزّت نفسه إعجابا وتقديرا واعتزازا.

      هو شاعر بورقيبة دون منازع وشاعر تونس بلا ريب وشاعر الإنسانيّة دون جدال إذ تناولت نصوصه الشّعرية كلّ هموم النّاس ومشاغلهم، أحزانهم وأفراحهم، كما تناولت علاقة الإنسان بالطّبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان.

    إنّه أكثر الأدباء الّذين استفادت منهم أجيال المبدعين الشّبّان في السّتّينات والسّبعينات من خلال البرنامج الإذاعيّ الشّهير "هواة الأدب" الّذي كان يذاع بإشرافه ثلاث مرّات في الأسبوع، ومن خلاله تقرأ مختلف النّصوص الشّعريّة والقصصيّة والنّقديّة فيتناولها بالدّراسة والنّقد بأريحيّة كبار النّقّاد ذوي النّظرة الحصيفة والأفكار الصّائبة ثمّ يتوّج هذا البرنامج بملتقى سنويّ في رحاب قصر سقانص بالمنستير يحضر كلّ جلساته صباحا ومساء الزّعيم بورقيبة الّذي يتدخّل بين حين وآخر مبديا رأيه في ما يتلى أمامه متحدّثا عن أهميّة الأدب في بناء المجتمعات ومستعرضا آثار أكبر الشّعراء والرّوائيين العالميين الّذين طبعوا الإنسانيّة بإنتاجهم الفكريّ.

     دفع أحمد اللّغماني ثمنا باهظا عن حبّه لبورقيبة وتعلّقه به إذ أبدى له النّظام السّابق عداء سافرا فحاصره في كلّ مكان وحاصر شعره وضيّق عليه فسحة الإبداع والعيش وفرض عليه عزلة رهيبة كانت مدمّرة وقاضية.

    إلّا أنّ أحمد اللّغماني عاش رغم ذلك حاملا قلبه على شفتيه اللّتين طالما ألقتا شعرا دررا أطرب النّفوس وحرّك المشاعر فردّدته الألسن وما تزال تردّده.

عبد القادر بن الحاج نصر

أفريل 2015


تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

دمعة على خدّ النّاقة

وجهة نظر مغاربيّة في كتاب: "من أوراق صحفيّ شماليّ "لــ: ثامر سودي قمقوم

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الصّيدلة والأدب