لوحة: السّراب
![]() |
ألا تتّفقان معي يا امرأتين من أروع النّساء أنّ في السّراب حياة. |
في كلّ مرحلة من مراحل الزّمن كانتا تمرّان
على مقربة منه لكنّ البصر لا يدركهما.. تمرّان وتغيبان وتختفيان ثمّ يعيدهما
السّفر الطّويل إلى جادة الطّريق في مجال نظره. هل كان نظره مكدودا إلى درجة أنّه
لم يدركهما مرّة واحدة في حين أنّه كان يبحث عنهما ويجدّ في البحث؟
لا شكّ أنّهما جلستا في نفس المقاهي الّتي
تعوّد الجلوس فيها، ولا شكّ أنّهما اتّخذتا مكانهما في المكتبة العموميّة كلّما
اتّخذ مكانه فيها.. في مكتبة سانت جونفياف بالحيّ اللّاتيني، في مكتبة السّربون
الجديدة، وسارتا قريبا منه في أسواق دمشق وفي ساحة الأهرامات، وفي السّاحة الحمراء
بموسكو.
كان يبحث عنهما ولم يدركهما.. كان كلّما
أحسّ بأنّه رآهما أسرع الخطو ليقطع الطّريق أمامهما حتّى يجبرهما على التّوقّف
لكنّه يكتشف كلّ مرّة أنّ الأطياف تداخلت أمامه والتفّت السّاق بالسّاق فلم يقبض
إلّا على السّراب.
وبما أنّ حركة الزّمن تلفّها الغيوم،
ومسيرة المرء يطبعها العبث فإنّ الأماني الّتي تراود الخاطر عشرات السّنين وتعييه
الحيلة في تحقيقها حتّى يضربه اليأس في مقتل تأتيه فجأة ذات لحظة على طبق من ذهب
مرصّع بالياقوت والزّمرّد.
كم يضحك الزّمن، كم يسعى المرء وراء أمنيات
غالية متجدّدة تسكن فؤاده وهو يسير في الطّريق، وهو جالس يقرأ كتابا، وهو مستغرق
في النّوم، لكنّه حين يبسط كفّه ويقبضها يرى أنّه لم يقبض إلّا على سراب.
ألا تتّفقان معا وأنتما الآن في كلّ مكان
يجوبه خاطري وتستطيبه نفسي وتشتدّ في حضرته دقّات قلبي.. ألا تتّفقان معي يا
امرأتين من أروع النّساء أنّ في السّراب حياة.
عبد القادر في الحاج نصر
مارس 2015

تعليقات