الشارع الجميل والميداني بن صالح

الشاعر: الميداني بن صالح

      

كأنّك هناك على بعد خطوات من أحد المقاهي تتلمّس قلمك ووريقاتك و تستعدّ للكتابة، تلك غيمة بيضاء تطير بك في الفضاءات البعيدة فتودّ لو تسكن هناك لكنّك تتذكّر أنّ السّكن لا يحلو إلاّ إذا كانت دكاكين الشّارع مفتوحة على يمينك وعلى يسارك والأطياف سائرة حواليك تدندن بمقاطع آخر الأغاني الّتي أبدعها المطربون الكبار، والشّعراء ينسجون من خيوط الضّياء أبيات شعر يتكامل فيها المعنى والموسيقى، ومثقّفون من مختلف المشارب يتنقّلون على الأرصفة ببطء و يتوقّفون طويلا أمام المكتبات، تلك المكتبات الّتي أغلقت أبوابها في هذا الزّمن الرّديء و تحوّلت إلى بؤر تباع فيها البضائع الرخيصة المستوردة وتشترى.

       لست أنت الواقف على بعد خطوات من المقهى، لقد شبّه لك أنّه أنت، شبّه لك لأنّ اندفاعه وتحرره وتجاوزه للموروث وبحثه المتواصل عن التّعبير بشكل جديد عن همومه وهموم عصره عناصر يشترك فيها مع كلّ المبدعين الّذين سئموا الطّرق المعبّدة وراحوا يضربون في دروب الخلق الأدبيّ والفنّيّ بروح جديدة لا تعترف بالحواجز ولا بالمقدّس من الأشكال الّتي رزحت على الأنواع الأدبيّة دهورا طويلة.

       إنّه الميداني بن صالح الّذي أحبّه الكثيرون ووقف ضدّه كثيرون، أقبلت على أشعاره أجيال من الباحثين عن الجديد في النّصوص ومضامينها وأشكالها، ونظرت إليه أجيال باحتراز يتساءلون عما يريد هذا الشّاعر المتحرّر من القيود، وعن أيّ رسالة يسعى لإيصالها إلى جمهور الأدباء، فقد كان بمثابة العاصفة الهوجاء الّتي لا يحدّ من اندفاعها شيء، لكنّ للعاصفة قلبا يخفق بالمحبّة والحنان والأصالة ورائحة المحيط الّذي نشأ فيه وحلقات الأهل والعشيرة الّذين ترعرع بينهم وخاصّة حضن الأمّ تلك المرأة العظيمة الّتي زرعت في نفسه بذور التحدّي والشّجاعة وحبّ المغامرة من أجل تحقيق كلّ الأحلام الّتي يصبو إليها.

       لقد وقف الميداني بن صالح على أرصفة الشّارع الجميل وأمام مقاهيه وداخلها وفي النّوادي الأدبيّة مفتخرا بديوانه "قرط أمّي" محرّكا السواكن الأدبيّة باعثا الحيرة لدى الشّعراء الّذين عاصروه. إنّه يفاجئ كلّ مرّة السّاحة الأدبيّة بحصاد غزير من الشّعر يتضمّن فيضا من محبّة الوطن وفيضا من محبّة عمّال الأرض وعمّال غابات النّخيل في الجريد والتائهين بلا شراع وبلا بوصلة في ساحات المدن وأزقّتها، إنّه النّبض الّذي يخفق في صدورهم، إنّه هم بما ارتسم على وجوههم من تعب وشقاء وحيرة، إنّه هم يصرخ بصراخهم ويحتج باحتجاجهم ويرفض برفضهم، يشتم بلسانهم الحاكم الّذي لم يستمع إلى أنّاتهم ولم يتأمّل عذابات حياتهم.

       ظلّ الميداني بن صالح يضرب في السّاحة الأدبيّة متحدّيا الصّمت والخوف والجمود، مؤمنا بأنّ قدر الشّاعر صراع متجدّد وحرب ضروس على الواقع المرّ من أجل تغييره وحرب متجدّدة حتّى تحقيق الأحلام البعيدة المدى.

 عبد القادر بن الحاج نصر

ديسمبر 2014

 

تعليقات

الأكثر مشاهدة هذا الأسبوع

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد

مقطع من رواية: حديقة لكسمبور، داخل الحديقة

سيرة ومسيرة

زوّار الموقع

Flag Counter

المتابعون

الأكثر قراءة هذا الشّهر

قصّة: موّال الصّبر (1)

"فلسفة الأمن: نظريّات ابستمولوجيّة تطبيقات سوسيولوجيّة" للدكتور رمزي المحواشي

الرّواية تفتكّ الوطن من أيدي العابثين فتؤسّسه ركنا ركنا، بقلم: محسن بن أحمد