أختي تفّاحة: الصّبر والابتسامة
![]() |
أختي تفّاحة: الصّبر والابتسامة |
منذ اليوم الّذي اكتملت ملامحها في
خاطري - وقد بدأت أتردّد على المدرسة الابتدائيّة - وأنا اختزن في نفسي كلامها
ونظرتها وابتسامتها وظلال الحزن الّتي ترفّ على وجهها، وصبرها وقوّة شخصيّتها.
أمّا الابتسامة فهي جزء من
شخصيّتها، تأتي صافية ورقيقة كأنّها خفقة جناح عندليب، تستقبلنا بها وتودّعنا..
أمّا الحزن فهو دائم تخفيه الابتسامة وتعيده وخزة الألم إلى السّطح، ألم كأنّما
أقسم أن لا يفارق جسدها، وأن يكون لها المقيم الدّائم رغم أنفها.
أختي تفّاحة كانت تزورنا أيّام
الآحاد وتقضي وقتا قصيرا بيننا، تجلس قليلا وتتحدّث قليلا وتغادر مسرعة كأنّها ضيف
خفيف الظلّ، لا تطلب شيئا ولا تطمع في أخذ شيء رغم أنّ في المنزل الكثير ممّا يمكن
أخذه.
أختي تفّاحة عاشت تتحمّل بأريحيّة
وصبر الخصاصة المادّية وأوجاع المرض فموارد زوجها، وهو ابن عمّ لها، محدودة جدّا،
ومع ذلك عرف بالكرم المفرط كأنّه حاتم الطّائي وباللّباس الأنيق كأنّه من علية
القوم.. أحيانا يكون للأسرة بعض الشّياه وأحيانا أخرى لا شاة ولا عنز لكنّ الابتسامة
نادرا ما تفارق شفتي تفّاحة وشفتي الزّوج.
يحاصر تفّاحة المرض كالطّوفان
فتلجأ إلى الطّبيب والأدوية الّتي يصفها لها لكنّ الأوجاع لا تذهب إلى حال سبيلها
فكأنّ الطّبيب لا يحسن التّطبيب وكأنّ الأدوية لا مفعول لها.
ولأنّ تفّاحة خزّان من الصّبر والتّحدّي
فقد كوّنت أسرة ورعتها بمحبّتها وأمومتها المتدفّقة متجاوزة حالتها الصّحّية الّتي
ما إن تخفّ وطأتها قليلا حتّى تتعكّر من جديد.
وتسافر تفّاحة إلى العاصمة مستنجدة
بأخيها الموظّف الّذي هو أنا، إذ في العاصمة أطبّاء "تجمّد أيديهم الماء"..
تتزوّد عند كلّ زيارة بالأدوية الّتي يصفها لها الأخصّائيّون وتعود إلى أسرتها في
مسقط الرّأس.
وتمرّ الأيّام، تمرّ الشّهور والسّنوات
فلا الطّبّ طبّ ولا المراهم مراهم، ولا حيلة في مواجهة الأمراض المختلفة إلاّ
ابتسامة خفيفة ترفّ على الشّفتين كجناح العندليب.
إنّه القدر، وهل يستطيع كائن من
كان أن يفرّ من أحكام القدر.. قدرها أن تقضي حياتها مريضة، متنقّلة بين الأطبّاء،
وبين مسقط الرّأس والعاصمة، وبين اليأس والتّفاؤل، وعليها أثناء ذلك أن تبتسم لكلّ
أفراد أسرتها، ولكلّ من يزورها فلا ألطف ولا أروع من ابتسامة رقيقة صافية.
أخيرا لا بدّ ممّا ليس منه بدّ،
أقامت في أحد المستشفيات بالسّاحل حيث الأطبّاء الّذين "تجمّد أيديهم الماء"
فكنت أزورها بانتظام، وإنّني مهما مرّ الزّمن لا يمكن أن أنسى قوّة إرادتها في
تجاوز لسعة الألم وهي تجلس في فراشها وتتحدّث إليّ وكأنّها جالسة في فناء منزلها
مستقبلة أنوار الصّباح مقّلبة النّظر في الفضاء الرّحب أمامها.
كم ابتسمت! كثيرا ما ابتسمت فأدخلت
علينا الفرح والسّعادة وفتحت لنا أبواب الأمل ثمّ فجاة انتشر الخبر.
ذهبت تفّاحة.
رحلت كما رحل إخوة لها كثيرون..
ملّت البقاء بيننا فسافرت إليهم حيث لا مرض ولا ألم.
عبد القادر بن الحاج نصر
مارس 2018

تعليقات